جرعات مضادات الاكتئاب المنخفضة تزيد عدوانية المراهقين   
الجمعة 1427/10/5 هـ - الموافق 27/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 1:53 (مكة المكرمة)، 22:53 (غرينتش)

مازن النجار
قدمت دراسة طبية تجريبية على الحيوانات دليلا مثيرا يفسر التغير في سلوك بعض المراهقين الذين يتعاطون مضادات اكتئاب شائعة، بحيث يصبحون أكثر عدوانية أو ينتحرون.

أجرى الدراسة علماء أعصاب من جامعة تكساس بمدينة أوستن، ونشرت بالعدد الحالي من مجلة "علم الأعصاب السلوكي" المتخصصة الصادرة عن الجمعية الأميركية لعلم النفس، وقد أصدرت الجمعية خلاصة للدراسة، أتاحتها نيوزوايز.

أدمغة مختلفة
وجد الباحثون أن الأحداث من الجرذان الأرنبية التي تلقت جرعات منخفضة من عقار فلوكسيتين هيدروكلورايد، والشائع استخدامه في الولايات المتحدة وغيرها باسم "بروزاك"، قد أصبحت أكثر عدوانية لدى تعاطيها جرعات منخفضة من العقار.

أما نظراؤها من الأحداث الذين تلقوا جرعات عالية من العقار فقد أصبحوا أقل عدوانية، ولكن ليس على نحو سلوك الجرذان الأرنبية البالغة التي هدأت لدى تعاطيها جرعات عالية أو أخرى منخفضة.

تقول كيريشمه تارافوش-لاهن الباحثة بمرحلة الدكتوراة والمؤلف الرئيسي للدراسة إن النتائج تؤكد اختلاف أدمغة الأحداث (المراهقين) عن أدمغة الراشدين، ولذلك ليس من الفطنة أن نتوقع من العقار أن يعمل بنفس الطريقة لدى الأحداث ولدى الراشدين.

تفكير وسلوك انتحاري
وعقار فلوكسيتين مثبط انتقائي لامتصاص وتمثيل السيروتونين (SSRI) وهو العلاج الوحيد المسموح به في علاج اكتئاب الأطفال والمراهقين. لكنه يحمل تحذيرا أو صندوقا أسود من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) منذ 2004، نظرا لنتائج خلصت إليها دراسات حول علاقته بزيادة مخاطر التفكير والسلوك الانتحاري لدى بعض الأطفال والمراهقين الذين يتعاطون العقار.

يؤثر فلوكسيتين في تنظيم (تقنين) السيروتونين، وهو ناقل عصبي يتولد طبيعيا ويعتقد بضلوعه في ظاهرة الاكتئاب، وذلك بالاحتفاظ به متوافرا لفترة أطول في مشابك الدماغ. والمعلوم أن فلوكسيتين يثبط العدوانية لدى البالغين من الجرذان الأرنبية.

وغالبا ما يستخدم الباحثون هذه القوارض نموذجا حيوانيا لدراسة الأساس العصبي للسلوك الاجتماعي، آخذين بالاعتبار –كمعطيات- كيف يتطور لعب وتقاتل القوارض صغيرة السن إلى عدوانية البالغين عبر مراحل مفهومة بوضوح.

استجابات متغايرة
في هذه الدراسة، قام الباحثون بحقن كل من الجرذان الأرنبية المستخدمة في التجربة بجرعات عالية أو منخفضة من فلوكسيتين. وبعد ساعتين، يوضع جرذ أرنبي أصغر حجما وأحدث سنا ومن نفس النوع (الجنس) في قفص الجرذان المستخدمة في التجربة لمدة عشر دقائق، بما يخلق موقفا تهديديا يستجيب له ذكور الجرذان الأرنبية -عادة- بعدوانية.

صور علماء الأعصاب المواجهات بالفيديو لتوثيق سلوكيات هذه القوارض، كالهجمات والنخزات وأوقات وأوضاع الاتصال (الاشتباك) وأهداف الهجمات.

وجد العلماء أن القوارض البالغة التي حقنت بجرعات عالية أو منخفضة، قد أصبحت بشكل عام أكثر مسالمة، بحيث انخفض عدد هجماتها وقصرت مددها. بيد أن الأحداث من هذه القوارض قد استجابت -لكل من الجرعات العالية والمنخفضة- بشكل مختلف.

"
يرى الباحثون أن هذه النتائج تضيف إلى الأدلة المتنامية على أن الدماغ -خلال فترة البلوغ- لا يزال في حالة نمو ولذلك، فهو قد يستجيب للعقاقير التي يتلقاها الراشدون بطريقة مغايرة وربما سلبية
"

أدت الجرعات المنخفضة من فلوكسيتين إلى زيادة ملحوظة في عدد وكثافة ومدد الهجمات، بينما أدت الجرعات العالية إلى تثبيط جزئي للعدوانية. ولم تستجب أي من مجموعتي أحداث القوارض (عالية ومنخفضة الجرعات) بنفس طريقة استجابة القوارض البالغة. بل إن إحدى المجموعتين –منخفضة الجرعة- كانت استجابتها في الحقيقة أسوأ.

مستوى السن والجرعة
وهكذا رغم أن فلوكسيتين قد هدأ -بشكل متواصل- القوارض البالغة رغم تعرضها لأوضاع تهديد ماثل، لكنه يؤثر بشكل مغاير في أحداث القوارض. ويبدو أن تأثيرات فلوكسيتين العدوانية ترتبط أساسا بالعمر والجرعة.

يرى الباحثون أن هذه المعطيات تضيف إلى الأدلة المتنامية على أن الدماغ –خلال فترة البلوغ- لا يزال في حالة نمو (إنضاج). ولذلك، فهو قد يستجيب للعقاقير التي يتلقاها الراشدون بطريقة مغايرة وربما سلبية. لذا فمن الضروري فهم الكيفية التي ستؤثر بها هذه العقاقير على الجهاز العصبي في حالة نمو وتطور الدماغ قبل إعطاء هذه العقاقير للأطفال.

يفسر علماء الأعصاب ذلك الاختلاف بأن مستويات السيروتونين لدى المراهقين قد تكون منخفضة مقارنة بالراشدين. وربما ليس هناك كفاية منها في أجهزتهم العصبية، لكي يمكن لمثبط امتصاص وتمثل السيروتونين الانتقائي (SSRI) أن يعمل بالشكل المؤثر والمطلوب.

كذلك، يبحث العلماء في ما إذا كانت النسب المتغيرة لمختلف أصناف مستقبلات السيروتونين -بعضها يثبط العدوانية والبعض يعززها- قد تكون مسؤولة عن محصلة العدوانية الأعلى الناتجة عن الجرعات الأدنى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة