بوادر أزمة سياسية في روسيا   
السبت 1422/12/10 هـ - الموافق 23/2/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


موسكو- علي الصالح

تنوعت محاور التغطية في الصحافة الروسية الصادرة اليوم فشملت الاحتفالات بعيد الجيش الروسي, والنقل الحيادي لحيثيات حرب التدمير الشاملة ضد الفلسطينيين, والاحتفال بعيد الأضحى المبارك, بينما تركز الاهتمام على كشف معالم الصراع السياسي في روسيا بين جناح ليبرالي يتخوف من إقامة نظام بوليسي وجناح قومي وطني يتهم السلطة السياسية ومؤيديها من الليبراليين بالخيانة الوطنية ونهب ثروات الشعب والبلاد وانهيار الجيش, إلى جانب احتدام الصراع بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية.

من المسؤول عن الانهيار؟


لم تفهموا سيادة الرئيس أن الشعب لم ينتخبكم لذاتكم بل انتخب بشخصكم أمله بإحياء البلاد وإحلال النظام فيها. لكنكم, خدعتم الشعب وخنتم مصالحه, وبات واضحا أن الرئيس لا يقف مع الشعب بل مع من نهب ثرواته

زافترا

تحت هذا العنوان نشرت صحيفة زافترا الأسبوعية الناطقة باسم القوميين الروس نص الرسالة التي وجهها مجموعة من كبار جنرالات وأمراء الحرب السوفيت إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين, تتهمه بمتابعة نهج غورباتشوف ويلتسين الذي ألحق بروسيا أضرارا تشبه بل تفوق ما لحق بها من جراء الحرب العالمية الثانية.

وفي تفاصيل الرسالة نقرأ "لم تفهموا سيادة الرئيس أو لم تريدوا أن تفهموا أن الشعب لم ينتخبكم لذاتكم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بل انتخب بشخصكم أمله بإحياء البلاد وإحلال النظام فيها. لكنكم, للأسف, خدعتم الشعب وخنتم مصالحه. وبات واضحا اليوم أن الرئيس لا يقف مع الشعب بل مع من نهبه ويتابع نهب ثرواته"

وأشارت الرسالة إلى أن السياسة الداخلية الروسية في العقد الأخير بما فيها سياسة بوتين تفضي إلى انقراض الأمة بالتدريج.

وأضافت "أما سياستكم الخارجية فهي استمرار للنهج الإجرامي لسياسة غورباتشوف (المواطن الفخري الألماني) وسياسة يلتسين تشوبايس "الانبطاحية" أمام الغرب, سياسة تخريب البلاد والمتاجرة بمصالحها وبيع ثرواتها بأبخس الأسعار"

وأعربت الرسالة عن قلقها مما حل بالقوات المسلحة الروسية التي غدت تنفذ مهام بوليسية بدلا من حماية الوطن والدفاع عنه. ودعت إلى مناقشة عامة باشتراك المعارضة لنشاط وعمل الرئيس والحكومة والبرلمان وقادة الأقاليم الروسية لتحديد المذنبين بالمأساة التي حلت بالبلاد والتدابير الضرورية لإنقاذها. وذكرت بحادثة قطع الكهرباء عن المؤسسات الاستراتيجية العسكرية, مستنتجة من ذلك أن السلطة الفعلية في البلاد ليست بيد الرئيس بل بيد فئة الأوليغارشية.

وانتهت إلى القول "لقد آن الأوان لتحديد موقفكم: أأنتم رئيس روسيا الذي يخدم مصالح البلاد والشعب أم ممثل لفئة أوليغارشيين من أصول أجنبية خربوا البلاد وباعوا آخر ثروات شعبها حاكمين عليه بالانقراض؟".

واشنطن تحيك مؤامرة
وفي مقال آخر بعنوان "مؤامرة واشنطن" أعربت الصحيفة عن اعتقادها بأن "اللهجة الواثقة القوية" التي أخذ يتحدث بها رئيس وزراء روسيا كاسيانوف إثر عودته من مؤتمر دافوس في أميركا ربما تكون ناجمة عن حصوله على تأكيدات أميركية بأنه الشخص الثاني الثابت في القيادة الروسية".

واستدلت على ذلك بالتحركات المكثفة لحليف كاسيانوف الرئيس من "أسرة" يلتسين السابقة وهو الكسندر فولوشين رئيس جهاز الإدارة الرئاسية الذي أخذ -حسب الصحيفة- يهيئ لانقلاب ضد قيادات وزارات السيادة في روسيا وخاصة منها هيئة الأركان العامة للجيش والاستخبارات العسكرية.

واعتقدت أن هذه التحركات تتناغم مع النشاط المحموم للملياردير الهارب من روسيا بوريس بيريزوفسكي ضد سلطة الرئيس بوتين وتحميله مسؤولية تفجير المباني السكنية في موسكو وفولغودنسك عام 1999 التي استخدمت كذريعة للحرب الثانية في الشيشان.

واستنتجت أن هذه التحركات عبارة عن خيوط لمؤامرة تحيكها واشنطن ضد روسيا وتستهدف تفكيكها على غرار ما حدث للاتحاد السوفيتي السابق.

وحسب الصحيفة قد تذهب واشنطن إلى تأييد اتهامات بيريزوفسكي لبوتين وتوحي بنقلها إلى ستراسبورغ حيث يعكف البرلمان الأوروبي على التحقيق بها ومن ثم المطالبة بعزل العسكريين الروس الذي قادوا الحرب في الشيشان, يلي ذلك تشريع نشاط المقاتلين الشيشان عبر إجراء انتخابات في الجمهورية ومنحها حق السيادة. وبعد التخلص من القيادة العسكرية يأتي دور رئيس الوزراء كاسيانوف كشخصية انتقالية تبدأ بتفكيك الفيدرالية الروسية ـكما فعل غورباتشوف مع الاتحاد السوفيتي ـ عبر تحويلها إلى كونفدرالية ومن ثم تقسيمها بحيث تتحول إلى "واقع جيوسياسي جديد يتمثل بجمهورية روس(التسمية القديمة لروسيا) التي تضم الأقاليم المركزية في روسيا الحالية بعد أن تفصل عنها مناطق الشرق الأقصى وسيبيريا والأورال".

رأس الحربة

دوائر معينة محيطة بالرئيس بوتين ترغب بإقامة نظام بوليسي في روسيا, لكنها تصطدم بمعارضة القوى الليبرالية الديموقراطية

فيك

صحيفة فيك المعرفة كصحيفة معتدلة ناقشت تصريح تشوبايس أقوى الأوليغارشيين نفوذا في روسيا الآن بأن "دوائر معينة محيطة بالرئيس بوتين ترغب بإقامة نظام بوليسي في روسيا, لكنها تصطدم بمعارضة القوى الليبرالية الديموقراطية" فرأت فيها مظهرا من مظاهر احتدام الصراع السياسي في روسيا.

وربطت الصراع الحالي بـ"أسباب عميقة" اقتصادية واجتماعية ناجمة عن التعقد الشديد لوقائع الحياة في روسيا التي لم تعد ترضخ للتصنيف في إطار أي لوحة أو نموذج من النماذج المعروفة في التطور العالمي.

وحسب الصحيفة فإن أهم هذه الأسباب هو العامل الاقتصادي المتمثل بسعي الحكومة الحالية إلى الاستمرار بنهج الإصلاحات الراديكالية وزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية في ظل تراجع واردات الدولة وخاصة بعد انخفاض أسعار النفط أحد المصادر الرئيسية لموارد الميزانية.

تفاقم النزاع بين الكنيستين
شغلت تغطية هذا الموضوع الحيز الأوسع في عناوين وافتتاحيات الصحف الروسية. واستهل معظمها مقالاته بصورتين للبابا يوحنا بولس الثاني وبطريرك موسكو وعموم روسيا إليكسي الثاني وكليهما يشهر صليبه في وجه الأخر.

صحيفة مير نوفوستي رأت في قرار الفاتيكان تقسيم روسيا الأرثوذكسية إلى أربع مناطق تنشأ في كل منها أسقفية للمسيحيين الكاثوليك ضربا من التحدي الصارخ للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في عقر دارها.

وأفادت بأن عدد رعايا الكنيسة الكاثوليكية الذي بلغ حسب إحصاءات الفاتيكان مليونا ونصف مليون متدين كاثوليكي يقل حسب إحصاءات بطريركية موسكو وعموم روسيا عن المائة ألف, بينما تعتقد مصادر مستقلة أن عددهم يتراوح بين ثلاثمائة و خمسمائة ألف متدين.

وأضافت أن هذا العدد في كلتا الحالتين لا يتطلب تقسيم روسيا وإنشاء أربع أسقفيات على أراضيها إلا في حال التوسع المتعمد على حساب معتنقي الأرثوذكسية.

ورأت أوبشايا غازيتا أن قرار الفاتيكان لا يتجاوز تقاليد التعاون بين الكنيستين الشقيقتين, وأن الكنيسة الروسية منغلقة على نفسها وتريد التقوقع وراء ستار حديدي.

الإسلام والكنيسة الأرثوذكسية
وتحدثت كومرسنت عن توسع معارضة انتشار الكاثوليكية في روسيا. ونقلت عن مصادر مؤيدة للكنيسة الأرثوذكسية قولها إن إنشاء الأسقفيات الكاثوليكية لا ينحصر بكونه توسعا دينيا روحيا بل هو توسع ينسجم مع نوايا أميركية مبيتة ضد روسيا.

ونسبت إلى قائد "اتحاد المواطنين الأرثوذكسيين" قوله إن الفاتيكان فقد مواقعه في الغرب فاتجه إلى الشرق بهدف التوسع على حساب الكنيسة الأرثوذكسية المسيطرة تقليديا في روسيا".

ونسبت إلى المفتي طلعت تاج الدين رئيس الإدارة المركزية لمسلمي روسيا قوله إن "التقسيم الصاعق لروسيا إلى أربع أسقفيات هو عمل غير جائز, فنحن نحترم الفاتيكان لكن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية جارنا القديم. وبالتالي فإن زيارة البابا المزمعة إلى روسيا غير محبذة بسبب اعتراض بطريركية موسكو عليها. ذلك أن الضيف يجب أن يحل بناء على رغبة صاحب البيت".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة