طريق الاكتشافات الطبية محفوف بالصعاب   
الجمعة 25/4/1434 هـ - الموافق 8/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 22:22 (مكة المكرمة)، 19:22 (غرينتش)

روبرت لانجر-كمبريدج*

كان من حسن حظي عندما أنهيت دراستي العليا في عام 1974 أن قمت بأعمال ما بعد الدكتوراه مع جودا فوكمان من كلية الطب بجامعة هارفارد. كانت للدكتور فوكمان نظرية تقول إن من الممكن وقف تطور الأورام السرطانية من خلال قطع المصدر الذي يغذيها. كما اقترح أن الأورام تطلق مادة تسمى "عامل تولد الأوعية الدموية للأورام"، وتجعل الأوعية الدموية المحيطة بها تنمو باتجاهها، فتزودها بالتغذية وتخلصها من الفضلات. ولقد افترض فوكمان أن هذه العملية تشكل ضرورة أساسية لاستمرار الورم في النمو.

كانت هذه النظرية مخالفة بشدة للرأي السائد آنذاك. وقال العلماء الذين راجعوا عمل فوكمان إن الأوعية الدموية الجديدة تنمو ببساطة نتيجة للالتهاب. ولكن فوكمان كان مثابرا، وفي نهاية المطاف أثبت أن المادة التي تطلقها الأورام موجودة بالفعل. واليوم بعد مرور أربعة عقود من الزمن، أصبحت مثل هذه المواد تستخدم لعلاج أكثر من عشرة ملايين إنسان يعانون من أمراض تتعلق بنمو شبكات جديدة من الأوعية الدموية الصغيرة، مثل التنكس البُقَعي وأشكال كثيرة من السرطان.

إطلاق البروتينات لعلاج الأورام
وكانت لي تجربة مماثلة عندما كنت أعمل في مختبره في محاولة عزل أولى المثبطات لنمو الأوعية الدموية (وهي مواد ذات وزن جزيئي كبير تقاوم وتكبح نمو الأوعية الدموية). ولقد تطلب هذا إجراء مقايسة بيولوجية لتمكيننا من مراقبة تثبيط نمو الأوعية الدموية في ظل وجود الأورام.

ولأن نمو الأورام يستغرق عدة أشهر، فكان لزاما علينا أن نطور أنظمة غير ضارة بالأنسجة الحية، وقادرة على إطلاق البروتينات وغيرها من المواد ذات الوزن الجزيئي الكبير ببطء وبشكل مستمر في الجسم، وهي الممارسة التي كان العلماء على اقتناع تام بأنها مستحيلة. ولكن بعد عامين من العمل، اكتشفت أنني قادر على تعديل أنواع معينة من البوليمرات، بحيث تطلق جزيئات من أي حجم تقريبا على مدى مائة يوم.

والبوليمر هو مركّب ذو وزن جزيئي مرتفع ومكون من ارتباط وحدات جزيئية مكررة، فكلمة "بولي" باللاتينية تعني متعدد، وكلمة "مر" تعني جزء، فكلمة بوليمر تعني متعدد الجزيئات. ويطلق على الجزيء المفرد الذي يكوّن البوليمر اسم المونومر، أي أحادي الأجزاء، فالبوليمر هو نتاج تراكب عدد كبير من المونومرات.

الأورام تنشأ عندما تحدث طفرة في المادة الوراثية
في الخلايا (الجزيرة)

ولعدة سنوات، قال العديد من أكثر الكيميائيين والمهندسين نيلا للاحترام في هذا المجال إن عملنا لابد من أن يكون غير صحيح. وكان لردود الفعل السلبية هذه عواقب عملية، فهي لم تحدّ من قدرتي على تأمين المنح اللازمة لإجراء البحوث فحسب، بل وحرمتني أيضا من القدرة على البحث عن وظيفة كعضو هيئة تدريس (وخاصة بسبب طبيعة عملي التي تشتمل على التعاون بين تخصصات عديدة، الأمر الذي يجعل من الصعب تنفيذه في قسم جامعي منفرد). بيد أنني لم أستسلم، وخطوة بخطوة، نجحت في معالجة قضايا رئيسية مثل التوافق البيولوجي وملاءمة البوليمر لجسم الإنسان، والتصنيع، والنشاط الحيوي للمادة في الجسم وكيفية تفاعلها معه. واليوم تستخدم الأنظمة القائمة على هذه المبادئ لعلاج أكثر من عشرين مليون شخص.

ومن بين المناطق الأخرى التي بدأت التفكير فيها، مسألة تخليق مواد بوليمرية جديدة. فأثناء عملي في المستشفى، رأيت أن كل البوليمرات المستخدمة في الطب تقريبا كانت مشتقة من مواد تستخدم في المنازل. على سبيل المثال، تستخدم المواد المستعملة في المشدات النسائية في تصنيع القلب الاصطناعي بسبب مرونتها الطويلة الأمد. وتستخدم البوليمرات المستعملة في حشو المراتب في تصنيع المواد الخاصة بزراعات الثدي. ولكن هذا النهج كثيرا ما يؤدي إلى مشاكل. فالقلب الاصطناعي على سبيل المثال من الممكن أن يتسبب في تشكل الجلطات عندما يحتك الدم بسطحه، وقد تؤدي هذه الجلطات إلى السكتة الدماغية والموت.

ولذلك، بدأت أفكر في أننا بحاجة لإيجاد بدائل لحل المشاكل الطبية غير البحث عن المواد المستخدمة في حياتنا اليومية. وكنت على يقين من أن الباحثين من الممكن أن ينتهجوا نهج التصميم الهندسي، فيطرحوا السؤال التالي أولا: ما الذي نريده حقا في المادة البيولوجية من المنظور الهندسي، والكيمائي، والحيوي؟ ثم يبدؤوا في تخليق المواد من المبادئ الأولية.

ولإثبات المبدأ، قررنا تخليق عائلة جديدة من البوليمرات القابلة للتحلل البيولوجي (أي التي يستطيع الجسم تفكيكها والتخلص منها) للاستخدامات الطبية. وكانت الخطوة الأولى تتلخص في اختيار المونومرات (وهي الجزيئات التي تعمل كوحدات لبناء البوليمرات) التي يمكن استخدامها بأمان في الجسم البشري. ثم قمنا بتخليق هذه البوليمرات، واكتشفنا أننا بتغيير تركيباتها نستطيع أن نجعلها تدوم داخل الجسم فترات تتراوح ما بين أيام وأعوام.

الأورام تقتل كل عام الملايين (الجزيرة)

البوليمرات لتوصيل العقارات
ومع هنري بريم -الذي أصبح الآن رئيس قسم جراحة الأعصاب في مستشفى جونز هوبكنز- رأينا أننا نستطيع استخدام البوليمرات لتوصيل العقارات (الأدوية والمواد العلاجية) بشكل موضعي في علاج سرطان المخ. ولكن كان علي أن أجمع المال لهذا المشروع، لذا فقد تقدمت بطلبات المنح إلى هيئات حكومية، وروجعت الطلبات بواسطة أساتذة آخرين، وكانت مراجعاتهم سلبية للغاية.

فعن اقتراحنا لأول منحة في عام 1981، قال المراجعون إننا لن نتمكن أبدا من تخليق البوليمرات. غير أن أحد طلاب الدراسات العليا لدي نجح في تخليق البوليمرات في أطروحته لرسالة الدكتوراه. ولقد أعدنا الاقتراح لمراجع أخرى، لكي يقال لنا إن المنحة لن تموّل رغم هذا، لأن البوليمرات قد تتفاعل مع العقاقير التي كنا نريد تسليمها.

ثم أثبت العديد من الباحثين في مختبرنا عدم وجود أي تفاعل. فأعدنا الاقتراح لمراجعة أخرى، فرُدَّ إلينا مع تعليق ملخصه أن البوليمرات هشة وقد تنكسر في الجسم، وبالتالي لا تقوم بالغرض المناط بها. وهذه المرة، قام باحثان آخران بعلاج المشكلة. ثم أرسل الاقتراح المعدل مرة أخرى للتقييم، وهذه المرة كان سبب الرفض الذي ذكره المراجعون هو أن البوليمرات لن تكون آمنة للاختبار على الحيوانات أو البشر. ولكن أحد طلاب الدكتوراه لدينا أثبت أن البوليمرات آمنة.

واستمرت هذه المراجعات فترة طويلة، وفي عام 1996 وافقت إدارة الغذاء والدواء على العلاج، وكان أول علاج جديد لسرطان الدماغ يحصل على الموافقة منذ أكثر من عشرين عاما. فضلا عن ذلك فإن موافقة إدارة الغذاء والدواء على العلاج الكيميائي الموضعي (الذي يستهدف منطقة محددة في الجسم) باستخدام البوليمرات أسفرت عن إنشاء نموذج جديد في مجال إيصال العقاقير للأورام، الأمر الذي ساعد في تمهيد الطريق أمام قوالب ودعامات استخلاص العقاقير وغيرها من أنظمة العلاج الموضعي.

بسبب الاكتشافات العلمية تتقدم التكنولوجيا ويصبح العالم مكانا أفضل
"
ثم حدث شيء مشابه عندما طرأت على ذهني أنا وجاي فاكانتي -وهو أحد الجراحين في مستشفى ماساتشوستس العام- في ثمانينيات القرن الماضي فكرة الجمع بين البوليمرات المختلفة والخلايا الحية لإنشاء خلايا وأعضاء جديدة. ومرة أخرى، قوبلت الفكرة بقدر عظيم من التشكك، وكان من الصعب للغاية الحصول على منح حكومية. واليوم أصبح هذا المفهوم بمثابة حجر الزاوية في هندسة الأنسجة والطب التجديدي (الذي يهدف لتجديد الخلايا والأعضاء التالفة)، وأدى إلى تخليق الجلد الاصطناعي للمرضى المصابين بحروق أو تقرحات في الجلد، وذات يوم نتمنى أن تقودنا هذه الفكرة إلى تخليق العديد من الأنسجة والأعضاء الأخرى.
 
درس أزلي
الحقيقة أن تجربتي ليست فريدة من نوعها، فقد اضطر العلماء على مر التاريخ إلى النضال ضد الأحكام التقليدية والآراء السائدة من أجل إثبات صحة اكتشافاتهم. وفي العصور الحديثة، كان اكتشاف ستانلي بروزنير للبريونات، واكتشاف باري مارشال وروبين وارين أن البكتريا من الممكن أن تسبب قرحة المعدة، وتحديد دان شيختمان لبنية أشباه البلورات، مجرد أمثلة قليلة، إذ حصل جميع هؤلاء العلماء على جائزة نوبل عن أبحاثهم.

والواقع أن فهم الدروس المستفادة هنا أمر بسيط وسهل، ولكن إتقانها والاستفادة منها أمر صعب، فلا تصدق كل ما تقرأه، وكن على استعداد لتحدي المعتقدات المسلّم بصحتها، وعليك أن تدرك أنك قد تدفع ثمنا باهظا في مقابل هذا من حياتك المهنية في الأمد القريب، حتى ولو كنت على صواب. ولكن المكافأة على الاكتشافات العلمية تستحق كل هذا العناء، فبسببها تتقدم التكنولوجيا ويصبح العالم مكانا أفضل كثيرا.
------------------------------

* كبير الأساتذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة