سحب تفويض العبادي.. حدود الإصلاح والصراع   
الأربعاء 1437/1/23 هـ - الموافق 4/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:47 (مكة المكرمة)، 14:47 (غرينتش)

مروان الجبوري-بغداد

بعد تصويت مجلس النواب العراقي على قرار سحب التفويض الذي منحه سابقا لرئيس الوزراء حيدر العبادي، يبدو المشهد السياسي مقبلا على مزيد من الانقسامات والتعقيدات، خاصة بعد أن شهدت الأيام الماضية توسعا لدائرة الاحتجاجات بعد الإعلان عن تعديل سلم رواتب موظفي الدولة، إضافة لغرق أحياء في بغداد بعد موجة الأمطار الأخيرة.

وعلل نواب في البرلمان الخطوة بأنها ضرورية للاحتفاظ بحق المجلس في تشريع القوانين والرقابة على أداء الحكومة، ويقول النائب عن "التحالف الوطني"، حبيب الطرفي للجزيرة نت، إن البرلمان منح العبادي تفويضا جزئيا وليس شاملا لحل إشكالات وأزمات عاجلة، لكن الموضوع أسيء فهمه واستخدامه.

وتابع أن بعض الخطوات التي أقدم عليها العبادي أحرجت أعضاء مجلس النواب أمام ناخبيهم، ولا سيما فيما يتعلق بتعديل الرواتب، الذي طرح مؤخرا وأثار ردود فعل غاضبة محليا.

وأضاف الطرفي أن مجلس النواب حين يحتفظ بحقه في سن القوانين وتعديلها فإن ذلك لا يعني أنه ضد الإصلاحات، فالحزمة الأولى منها قد تم التصويت عليها بالإجماع، لكن بعض الخطوات اللاحقة تصادمت مع الدستور وتقاطعت مع الوظيفة التشريعية لممثلي الشعب.

تعديلات العبادي لسلم الرواتب أثارت احتجاجات واسعة في الجامعات (الجزيرة)

فقدان الثقة
ويبدو أن هذه التطورات لم تغير قناعات الكثير من المتظاهرين، الذين اعتبروا أن هذا الصراع لا يمس المشاكل التي يعانيها العراقيون، فوعود الإصلاح -حسب الكثيرين- لم تكن أكثر من محاولة لامتصاص غضب المتظاهرين وإفراغ مظاهراتهم من محتواها.

ويرى الإعلامي وأحد منظمي المظاهرات -نبيل جاسم- أن "التفويض أصلا بلا معنى قانوني أو سند دستوري، ولم يأخذ شكلا منهجيا، بل لم يكن أكثر من عملية دعائية، فـ"ليست من أكذوبة أكبر من الإصلاحات إلا التفويض"، حسب رأيه.

وأضاف جاسم -في حديث للجزيرة نت- أن أي خطوة باتجاه إصلاح المنظومة الإدارية والسياسية والقضائية لم تتخذ حتى الآن، أما قضية تخفيض الرواتب فلا علاقة لها بمسار الإصلاح الذي كان يطالب به المتظاهرون، وإنما هو مجرد ضغط للإنفاق من أجل إنقاذ خزينة الدولة الفارغة.

وأشار إلى أن كثيرا من الخطوات التي روج لها إعلاميا على أنها إصلاحية لم تكن كذلك، فالعبادي تحدث عن إقالة وكلاء وزارات ولم يقل واحدا منهم، أما دمج الوزارات فقد كان على مستوى الوزراء فقط وبقيت الهياكل الإدارية للوزارات كما هي.

أما عن موقف المرجعية الشيعية من هذه التطورات، فاعتبر جاسم أنها تعلن دائما دعمها للإصلاحات وتصريحاتها في ذلك واضحة، لكنها لا تتدخل في تفاصيل العمل التنفيذي للحكومة وإنما تعطي توجيهات عامة، وربما ستتضح الصورة أكثر في خطبة الجمعة القادمة التي عادة ما تحمل رسائل سياسية، لكن موجات السخط الشعبي على الأداء الحكومي تؤشر على انحياز المرجعية لصالح المطالبات بمزيد من الإصلاح.

الإصلاحات زادت من الفرز داخل حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون بين كتلتي العبادي (يمين) والمالكي (الفرنسية)

صراع أجنحة
ويبدو -حسب مراقبين- أن الوضع يتجاوز قضية خلافات في الرؤى أو في تفسير نصوص الدستور، بل يمتد عميقا في بنية ائتلاف دولة القانون وحزب الدعوة، فبمرور الوقت يزداد الفرز داخل التشكيلين لصالح كتلتين رئيسيتين، تعلن إحداهما انحيازها لطرح العبادي، فيما يصطف الآخرون خلف نوري المالكي، نائب رئيس الجمهورية المقال.

الكاتب والمحلل السياسي مؤيد جبير اعتبر أن العبادي أصبح وحيدا في طريق الإصلاح، وكان يمكن للبرلمان أن يكون سندا له في هذه المهمة، ولكنه وقف حجر عثرة بوجهه لاعتبارات "غير منطقية"، متناسيا أن العملية بمجملها محكومة بالتوافقات التي أصبحت عرفا سياسيا منذ بداية الاحتلال.

واعتبر جبير أن سحب التفويض جاء بعد إدراك البرلمان أنه ارتكب خطأ، في وضع بيض الإصلاح في سلة العبادي وحده، وهو في ذات الوقت عودة إلى الصلاحيات المحددة للسلطات الثلاث.

ولعل سببا آخر يدفع بعض الكتل لاتخاذ هذا القرار بحسب جبير، يكمن في عدم استجابة العبادي لطلب الكثير من نواب التحالف الشيعي وقادة الحشد الشعبي بطلب التدخل الروسي في محاربة تنظيم الدولة، مما دفع بعضهم لعرقلة مساراته الأخرى، سعيا ربما في المستقبل لاستبداله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة