البحث عن سر "الجُوَيْذِبات"   
الأربعاء 1436/8/8 هـ - الموافق 27/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:26 (مكة المكرمة)، 17:26 (غرينتش)

فداء ياسر الجندي

من الخدع المشهورة عند من يعرضون ألعاب السحر على المسارح، أن يأتوا بشخص من الحضور (باتفاق مسبق معه) فيضجعونه على سرير، ثم يقومون بتنويمه مغناطيسيا (كما يزعمون)، وبعد ذلك، وبإشارة من عصا الساحر، إذا بالنائم يرتفع شيئا فشيئا في الهواء، فيفغر الحضور أفواههم ويطلقون صيحاتهم، تعجبا مما يرون، وحق لهم أن يتعجبوا! ثم يقوم الساحر بحركة أخرى تبطل السحر (بزعمه)، فيسقط النائم على السرير، ويستيقظ مدهوشا، وهنا ينتهي العرض، ويضحك الحضور، ولكنهم لا يتعجبون!

لقد تعجب الحضور عندما ارتفع النائم لأنهم شاهدوه يصعد في الهواء دون أن يكون هناك أي شيء يؤثر فيه، كحبل يسحبه للأعلى مثلا، رغم أنهم متيقنون من أن الأمر خدعة محكمة، وأنه لا بد من وجود شيء مادي مخفي يرفع الشخص النائم، ومع ذلك فهم يستمتعون ويتعجبون، فما بالهم لم يتعجبوا عندما انكفأ ساقطا وبسرعة، بعد أن انتهى سحر الساحر (أقصد خدعته)؟  

يبدو هذا السؤال غريبا للوهلة الأولى، ذلك أننا تعودنا على قوة الجاذبية، ولم نعد نفكر كيف تؤثر عن بعد دون سبب مادي نعرفه، ولكن لو تفكرنا في السؤال جيدا لوجدناه منطقيا، فلماذا لا نصدق صعود شيء في السماء بلا وسيلة مادية ملموسة ترفعه للأعلى، ونعده إن حصل سحرا، ونصدق سقوطه دون أن نرى وسيلة مادية تسحبه للأسفل؟

الفيزياء وقوانينها لا سحر فيها، فلا توجد حركة بلا محرك، ولا قوة بلا مؤثر يولدها، وحامل ينقلها

الوسط الناقل
الفيزياء وقوانينها لا سحر فيها، فلا توجد حركة بلا محرك، ولا قوة بلا مؤثر يولدها، وحامل ينقلها، فكيف تعمل الجاذبية إذن؟

فإن قيل: الجاذبية ليست بدعا في ذلك، فالقوة الكهرومغناطيسية أيضا تعمل بلا سبب مادي، أما رأيت كيف يجذب المغناطيس المعادن؟ هل ترى خيوطا تتدلى منه فتسحبها؟ نقول: ومن قال إن القوة الكهرومغناطيسية تؤثر بلا وجود سبب مادي؟ ومن قال إن أي قوة تؤثر بلا سبب أو مسبب؟

إن الوسط الناقل، أو الوسيلة الحاملة للقوة الكهرومغناطيسية هي الفوتونات، وهي كما يخبرنا العلماء جسيمات متناهية في الصغر لا كتلة لها تتشكل منها جميع الموجات الضوئية والكهرومغناطيسية، وتنتقل هذه الموجات بسرعة الضوء حاملة معها تأثيراتها المختلفة، التي تختلف باختلاف أطوال هذه الموجات، ومن هذه التأثيرات أنها تعمل حوامل للقوة الكهرومغناطيسية، فتنقل تأثيرها بين الأجسام، وهو التجاذب للشحنات المختلفة والتنافر للشحنات المتماثلة، وهي التي تحفظ الإلكترونات السالبة، في مداراتها حول نواة الذرة الموجبة، والفوتونات أيضا تسهم مع بعض الجسيمات الأخرى في نقل تأثير القوة النووية الصغرى، (والتي تؤدي إلى النشاط الإشعاعي لبعض عناصر الذرة)، وطريقة عمل الفوتونات مع تلك الجسيمات في نقل تأثير القوة النووية الصغرى أمر معقد ليس هنا مكان شرحه.

والقوة النووية الكبرى أيضا تحملها جسيمات خاصة مختلفة عن الفوتونات، ويسميها العلماء "غلونز" (gluons) ونقترح ترجمتها بكلمة "لويصقات"، لأن لفظها مشتق من كلمة "غلو" ومعناها الغراء أو اللاصق، وهذه الجسيمات هي التي تمسك البروتونات في الذرة لتبقى متماسكة وتكوّن نواة الذرة، وإلا فإنها تتنافر بسبب تماثل شحناتها.

يعرف آينشتاين الجاذبية بأنها انحناء في الفراغ أو تغير في شكله يتسبب به وجود أي جسم له كتلة

بين نيوتن وآينشتاين
نعود الآن لقوة الجاذبية، فهي ليست استثناء، ولا بد من وجود حامل لهذه القوة ينقل تأثيرها للأجسام المتأثرة بها، فيظهر أثرها الجاذب، فما هي الوسيلة التي تنتقل بها هذه القوة؟

دعونا أولا نتذكر قانون الجاذبية الذي اكتشفه نيوتن، وهو يقول إن قوة الجاذبية بين الأجسام تتناسب طردا مع كتلة الجسمين المتجاذبين، وعكسا مع مربع المسافة بينهما، ولايزال قانون نيوتن أساسا لكل قوانين الحركة والميكانيكا إلى يومنا هذا، وهو دقيق جدا وتعتمد عليه كل الرحلات الفضائية وصناعة الطيران وغيرها، ولكن نيوتن لم يكتشف ما الذي يسبب هذه القوة، واكتفى بالقول إنها قوة غير مرئية.

وعندما جاء آينشتاين وتوصل إلى نظريته النسبية، توصل معها إلى تعريف مختلف للجاذبية، وإن كان تعريفه لم يغير قانون نيوتن من الناحية الرياضية، وأثبت أنه صحيح دائما إلا في حالات خاصة، مثل حالة الأجسام التي تتحرك بسرعة مقاربة لسرعة الضوء، أو حالة الفضاء المجاور لما يعرف بالثقوب السوداء، وهذا ليس مجال كلامنا هنا.

الذي يهمنا أن آينشتاين لم يعرف الجاذبية على أنها قوة غير مرئية، بل عرفها تعريفا هندسيا فراغيا (نسبة للهندسة الفراغية)، فقال إن الجاذبية هي انحناء في الفراغ أو تغير في شكله يتسبب به وجود أي جسم له كتلة، وهذا التعريف يصعب على غير العلماء أن يفهموا تفاصيله، لأنه يعتمد على نظرية النسبية العامة الشهيرة، التي توصل إليها آينشتاين.

وعندما طُلب من أحد العلماء أن يقربه لغير العلماء -من أمثالي وأمثال أغلب قرائنا الكرام- ضرب مثالا مبسطا، حيث شبه الفراغ بصفيحة سميكة من مادة المطاط المرن، مصقولة السطح ومستوية تماما، فإذا وضعنا على هذه الصفيحة كرة كبيرة لها ثقل فإن الصفيحة ستنحني وتأخذ شكلا مقعرا، وإذا وضعنا كرة أخرى صغيرة على الصفيحة، فإنها ستتدحرج على السطح المقعر إلى أن تستقر في قعره ملامسة ومجاورة للكرة الأولى، ثم إذا وضعنا كرة أكبر من الأولى على تلك الصفيحة، فسينتج عنها انحناء وتقعرا أكبر من الأول، وقد يكون كافيا لجذب الكرتين الأوليين إليه.

فلو تخيلنا سطحا مطاطيا واسعا جدا، وعليه كرات من مختلف الأحجام تتحرك فتسبب تموجات مختلفة، فتتجاذب في ما بينها، نكون قد وصلنا إلى تشبيه مبسط يقرب لنا ما يحدث في الكون من تجاذب بين الأجسام، إذ يؤكد العلماء أنه توجد في الفضاء أمواج من الجاذبية شبيهة بالأمواج الضوئية أو الكهرومغناطيسية، تنتقل بين الأجسام في الفضاء الكوني بطريقة مشابهة لتجاذب الكرات فوق الصفيحة المطاطية.

يجزم العلماء بأن انتقال أمواج الجاذبية في الكون سببه وجود جسيمات متناهية الصغر لا كتلة لها، يسمونها "غرافيتونز" أو "جويذبات"

الجويذبات
ويجزم العلماء بأن انتقال أمواج الجاذبية في الكون سببه وجود جسيمات متناهية في الصغر لا كتلة لها، يسمونها "غرافيتونز" (Gravitons)، ويشتقون اسمها من اللفظ الإنجليزي "غرافيتي" ومعناه الجاذبية، ونقترح أن تكون ترجمتها "جويذبات"، تصغيرا لكلمة "جاذبات"، هذه الجويذبات تنقل قوة الجاذبية بين الأجسام.

ويشبه العلماء ما تفعله الجويذبات بما تفعله الفوتونات، فكما أن الفوتونات تنقل القوة الكهرومغناطيسية عن طريق تشكيل أمواج كهرومغناطيسية، وتنقل الضوء على شكل أمواج ضوئية، فإن الجويذبات تنقل الجاذبية على شكل أمواج أيضا.

غير أن العلماء قد وجدوا الفوتونات ودرسوها وتعمقوا في طريقة عملها، وقاسوا طول موجاتها، ولكنهم ما زالوا حتى الآن يبحثون عن الجويذبات، فما وجدوها، وهم يعلمون أنها موجودة، ويحسبون تأثيرها وعملها بدقة متناهية، ولكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من العثور عليها وتحديد ماهيتها وتحليلها وحساب أطوال موجاتها، وغير ذلك من خصائصها، كما فعلوا بالفوتونات، وهم يأملون أن يتحقق ذلك قريبا عن طريق التجارب التي يجرونها في مختبر المصادم العظيم المعروف، الذي وضعوا في تصميمه خلاصة علوم الفيزياء، ويأملون أن يكتشفوا بواسطته ما خفي عليهم من أسرار الكون وألغاز الفيزياء، ومنها لغز الجويذبات.

ألا ما أضعف الإنسان الذي غزا الفضاء ووصل إلى القمر والمريخ، ولا يعلم حتى الآن ما الذي يجعله يسقط منكبا على الأرض إذا زلقت رجله بقشرة موزة!

يحضرني في هذا المقام قوله تعالى: "ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"، فمما يلفت النظر بشدة أن الله سبحانه لم يقل (فيهوي في مكان سحيق) بل قال سبحانه "فتهوي به الريح"، فهناك شيء يهوي به رغما عنه، فهل هذه إشارة إلى الجاذبية والجويذبات؟ أتوقف هنا ولا أجرؤ على الحديث في كلام الله، وأترك هذا الأمر للعلماء المختصين بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، عسى أن يقرأ أحدهم هذه السطور فيبحث في هذه الآية ويجد فيها وجها جديدا من وجوه الإعجاز القرآني التي لا تنتهي.

________________
* كاتب سوري متخصص في الشؤون العلمية والتقنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة