سلالم الروح.. فيلم عن غربة الإنسان في إسرائيل   
الأربعاء 1436/8/15 هـ - الموافق 3/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:34 (مكة المكرمة)، 13:34 (غرينتش)

أمير العمري*

عرض الفيلم الإسرائيلي "سلالم الروح" ضمن الاختيار الرسمي في برنامج "العروض الخاصة" بمهرجان كان السينمائي هذا العام. والفيلم من إخراج إيلاد كيدان، وهذا فيلمه الروائي الطويل الأول بعد أن قدم قبل سبع سنوات فيلما قصيرا بعنوان "النشيد" حصل على جائزة في مهرجان كان.

غير أن "سلالم الروح" حسب اسمه العبري (يحمل اسما آخر بالإنجليزية هو "بَعد تفكير")، ليس فيلما روائيا تقليديا يروي قصة ويحتوي على صراع وحبكة وتدفق في الأحداث وتراكم في المشاهد وصولا إلى ذروة ما، بل ينتمي الفيلم إلى "السينما الشعرية" التي يعبر فيها السينمائي عن رؤيته من خلال مفردات السينما بعيدا عن سياق درامي متصاعد، واعتمادا على شخصيات تتحرك وتتقاطع مصائرها دون أن تدري، فتتلاقى وتفترق.

غربة واغتراب
ويستخدم المخرج لتجسيد رؤيته حركة الكاميرا، والتكوين، والتناقض بين الصور، والتعليق الصوتي الساخر الذي قد يأتي من شخصيات خارجة تماما عن السياق الأصلي، وشريط الصوت بما يحتويه من أغنيات تعكس حالة الغربة والاغتراب التي يكثفها الفيلم.

مشهد من فيلم "سلالم الروح" للمخرج الإسرائيلي إيلاد كيدان

ويجد المشاهد نفسه أمام علاقة بين الإنسان والمكان تعكس تناقضا بين الشعور بالسأم والملل والرغبة في الفرار، سواء من الماضي الذي يجثم بظله بقوة على الذاكرة، أو المستقبل الغامض الذي يدفع إلى الفرار من البلد كله، ومغادرة تلك الحالة من العجز.

نحن أمام رجلين: الأول رجل في منتصف العمر هو "موشى" الذي كان أستاذا متخصصا في علم الجيولوجيا. والثاني شاب يدعى "أوري"، وهو شاعر وكاتب بدأ تأليف كتابه الأول لكنه لا يعرف كيف يختمه، وهو يشعر بفراغ الحياة من حوله وفقر الواقع ورتابته، وبثقل ذلك القيد الذي يشده إلى الوراء.

الأول خرج من بيته كي يبحث عن فردة القرط التي ضاعت من زوجته في الطريق ليلة أمس، والواضح أنه سيظل يبحث طويلا، صاعدا سلالم مدينة حيفا نحو جبل الكرمل الشهير. والثاني يبدو وهو يهبط من سلالم أخرى، من الجبل إلى قاع المدينة.

يلتقي الرجلان مرة واحدة في منتصف السلم لنعرف أن أوري كان في الماضي طالبا عند موشى، ويتبادل الاثنان كلمات مقتضبة لا تؤدي إلى أي تطور، بل يمضي كل منهما في طريقه يطوي أحزانه وأشجانه في داخله.

مشهد من فيلم "سلالم الروح"

موشى من اليهود اليساريين من سكان حيفا، تعرض لحادث سيئ في الماضي اضطره لترك التدريس وامتهان مهنة غريبة هي إدارة عدد من الدمى على شكل خيول مخصصة لتسلية الأطفال، موزعة على أماكن مختلفة من المدينة (مداخل مراكز التسوق مثلا) يضع فيها قطعة معدنية فتصدر عنها الأغاني المرحة التي تجذب الأطفال.

دعوة للسلام
لكن موشى يرتبط بصداقة مع رجل  فلسطيني من جيله يصادقه، ويحاول إقناعه بفكرته عن إقامة متحف للنكبة الفلسطينية، تماما كما يخصص اليهود متحفا للمحرقة (الهولوكوست)، لكن الفلسطيني يحذره من هذا الشطط، وينبهه إلى أنهم لن يسمحوا له بذلك، وسيقومون بتشويه سمعته والهجوم عليه، في حين يقول له موشى إن الفكرة لو جاءت من فلسطيني لربما كانت مرفوضة على الفور، أما أن تأتي من يهودي فربما يمكن أن يكتب لها النجاح.

موشى إذن من دعاة السلام والتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو يعبر عن وجهة نظر المخرج نفسه في رفض سياسة التفرقة. وفي أحد المشاهد نرى أوري وهو يتطلع من نافذة سيارة أجرة إلى صفوف من البنايات التي تقيمها الحكومة على أراضي الفلسطينيين في المستوطنات.

وأوري مطلوب لأداء الخدمة العسكرية السنوية المفروضة على أمثاله من الإسرائيليين، لكنه يحاول أن يجد طريقه خارج البلاد عبر ناقلة بحرية ضخمة يدفع رشوة لقبطانها كي يسمح له بالسفر، لكن القبطان يسخر منه ويطالبه بتصريح خروج مختوم من السلطات، ويرغمه بالتالي على الهبوط من فوق ظهر السفينة، ثم يلقي له بحقيبته التي تضم الصفحات التي انتهى من كتابتها من كتابه، في مياه البحر.

مشهد من فيلم "سلالم الروح"

من أكثر مشاهد الفيلم طرافة وسخرية، حادثة التقاء موشى أثناء جولاته التي لا تنقطع في المدينة برجل يروي له قصة علاقته بزوجة رجل يقول إنه يدعى موشى وإنه أحمق، وإنه كان أستاذا في الجيولوجيا، ويمتهن الآن مهنة مضحكة في إدارة لعب الأطفال، وكيف أنه أقام علاقة جسدية مع زوجة هذا الرجل الذي نعرف -ويعرف موشى بالطبع- أنه هو نفسه هذا الرجل، ويقول له إنه عثر على فردة القرط لدى أحد الباعة فاشتراها، وسيقوم بإهدائها للمرأة، بل ويصحبه بالفعل إلى بيتها الذي هو بيته أيضا، حيث ينتظر موشى أسفل السلم، ويصعد الرجل لإعادة القرط إلى السيدة!

يستخدم المخرج إيلاد كيدان الحركة البانورامية الواسعة للكاميرا في المشهد الأول من الفيلم وهي لقطة/مشهد تستغرق أكثر من دقيقتين، تستعرض المكان من زاوية مرتفعة تشرف على جبل الكرمل، وتتحرك باتجاه مصفاة النفط العملاقة قرب البحر، ثم إلى الميناء نزولا إلى المدينة نفسها، فهو يبني المشهد بحيث يجعله مدخله إلى الفيلم وإلى المكان-المدينة.

سينما شعرية
يضفي المخرج مغزى شعريا من خلال استخدامه الحركة الصاعدة والهابطة في الاتجاه العكسي عبر السلالم، بحيث يبدو المكان كما لو أصبح -رغم جماله الشديد ورونقه- متاهة لا نهاية لها ولا مخرج منها، وكأن قدر الإنسان أصبح مواصلة الصعود والهبوط مثل سيزيف.

فيلم "سلالم الروح" ينتمي إلى تلك السينما الصعبة التي تتطلب صبرا كبيرا من المشاهد، والتي تجسد حالة ذهنية/اجتماعية من دون مباشرة أو شرح أو حوارات طويلة

وفي أحد المشاهد يلتقي الشاب أوري بامرأة عجوز تجلس قرب نهاية السلم من أعلى، تتعرف عليه وتناديه وتذكّره بأنها كانت معلمته في المدرسة، وقد أصبحت الآن عاجزة عن السير بشكل طبيعي فيحملها أوري في سعادة ويصعد بها.

بعد فشل مغادرته البلاد، يصبح أوري مضطرا للالتحاق بوحدته العسكرية في الجيش لأداء الخدمة الإجبارية السنوية وإلا تعرض للسجن، ويصبح الجيش هنا معادلا للسجن، لتقييد الحرية، للجبرية التي تحكم حياة الفرد. وفي مشهد يعبر بلغة الشعر عن الغضب، يهبط أوري السلالم ثم يتوقف ويبدأ في نزع الأحجار التي تتشكل منها أرضية السلم، ويلقي بها واحدة بعد أخرى وراء ظهره في اتجاهات مختلفة. وبعد أن يواصل الهبوط، يأتي رجل عربي لكي يعيد وضعها في أماكنها!

فيلم "سلالم الروح" ينتمي إلى تلك السينما الصعبة التي تتطلب صبرا كبيرا من المشاهد، والتي تجسد حالة ذهنية/اجتماعية من دون مباشرة أو شرح أو حوارات طويلة، ولعله أيضا أحد الأفلام الإسرائيلية القليلة عن "حيفا" بتضاريسها ومرتفعاتها وسلالمها وأشجارها وبحرها، ولكنه أيضا فيلم عن غربة الإنسان واغترابه عن واقعه في المكان.
_______________
* كاتب وناقد سينمائي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة