عنف العالم والطبيعة بأعمال عبد الصمد   
السبت 28/11/1433 هـ - الموافق 13/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 21:59 (مكة المكرمة)، 18:59 (غرينتش)
أعمال عبد الصمد تستمدّ رمزيّتها من قدرتها التحويلية للأشياء المستخدمة فيها (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس 

منذ ظهورها في الساحة الفنية الأوروبية عام ٢٠٠٠، بدت أعمال الفنان الجزائري الفرنسي عادل عبد الصمد كجوابٍ مثير على وضع العالم المعاصر بتشنّجاته والعنف الذي يطبعه. وهذا بالتأكيد ما يفسّر المعارض الغزيرة التي نُظّمت له في أبرز عواصم الفن وآخرها معرضه الحالي في مركز بومبيدو (باريس).

ويحمل المعرض عنوان "أنا بريء" ويشكّل فرصةً للاطلاع على مساره الفريد وكشف الأبعاد المختلفة لعمله.

ولمقاربة فن عبد الصمد، يستخدم مدير مركز بومبيدو، ألفرد باكمان، في كاتالوغ المعرض، مصطلحات خاصة برياضة الملاكمة.

ولا عجب في ذلك طالما أن وقع أعمال هذا الفنان هو أشبه بلكمةٍ في وجه المتأمّل لها، وطالما أن عبد الصمد يستخدم غالباً عبارة "À l'attaque" الهجومية سواء لتعزيم الصعوبات التي يلاقيها أثناء إنجاز أعماله أو للتعبير عن قوتها البصرية.

لكمة حقيقية
وتأخذ هذه العبارة كل معناها حين يتبيّن لنا أن صاحبها يتوجّه مباشرةً إلى موضوعه بدون لف أو دوران وبدون أي محاولة لتلطيف خطابه التشكيلي أو جعله مقبولاً. وفي هذا السياق، يكرّر غالباً إلى محاوريه "أنا فنان أفعالٍ".

وأفعال عبد الصمد ليست تصويراً أو إلقاء ضوءٍ على أحداثٍ عامة متفرّقة، كما تبدو لنا عند الوهلة الأولى، بل تشهد على رؤيةٍ بصيرة وجريئة لعالمنا المعاصر. بعبارةٍ أخرى، يسعى الفنان في أعماله إلى التقاط صخب التاريخ وتحويله إلى صوَر. وبالتالي، بدلاً من طُرَفٍ تم الاستيلاء عليها، نجد أنفسنا أمام لقاءاتٍ مع صورٍ أو أشياء يضفي الفنان عليها بُعداً رمزياً قوياً متعدّد الدلالات.

أعمال عبد الصمد أشبه بلكمة في وجه المتأمل لها (الجزيرة نت)

فضاء مقدس
والمتأمّل بأعمال عبد الصمد المعروضة حالياً يلاحظ بسرعة البورتريهات الذاتية الغزيرة داخلها والمصوّرة على رصيفٍ تم تحديده على شكل فضاءٍ مقدّس.

ويظهر الفنان في هذه البورتريهات بحلّة بطلٍ مضحك، هرقل مصارعاً أسد، مار جرجس هارساً بقدمه رأس أفعى، ساحرٌ يطفو في الفضاء على سرجٍ مخفي أو شخصٌ تلفّه النيران.

وأحد مصادر سخرية عبد الصمد المضحكة وسوداويته الميتافيزيقية في هذه الأعمال هو الفنان الإسباني غويا الذي أوحى له أيضاً بعمل "البحر" (٢٠٠٨) كناية عن فيلم لا يتجاوز عشر ثوانٍ ويظهر الفنان فيه في عرض البحر متشبّثاً بخشبةٍ يحاول أن يكتب عليها عبارة "صحيح سياسياً".

ويستحضر هذا العمل الأقوال المأثورة التي حفرها غويا بين عامَي ١٨٠٣ و١٨١٤ وتسيّر الرسالة التي مفادها أن "الإنسان يتجه نحو هوّة يرفض أن يراها"، فالخشبة التي يحاول الفنان كتابة عبارته عليها تحجب عنه الكارثة التي تتربّص به أكثر مما تحميه.

وفي أعمالٍ كثيرة، يظهر عبد الصمد على شكل دمية خاضعة لقوانين عدم التوازن أو كشخصٍ يطفو بين الأرض والسماء تتقاذفه قوى لا يتحكّم بها ولكنه يحاول الشهادة عليها كتابةً أو رسماً أو أداء.

وهذا ما يقودنا إلى تفسير مسعاه الفني كمحاولة دائمة لاستقبال وتثبيت داخل فضاء أعماله حدّة القوى التي تنظّم العالم أو تقف خلف اختلاله.

تشاؤم
ولكن هذا التفسير لا يستنفد المعاني التي تسيّرها أعمال عبد الصمد. فأقفاص الطائرات المطوية والممزّقة وهياكل السيارات المحروقة والأسلاك الشائكة والقاطعة التي يستخدمها الفنان ويحوّلها إلى مفرداتٍ تشكيلية تظهر كمٍّا من الآثار التي تندرج ضمن تفسير للعالم ينخرط في سياق التشاؤم التاريخي الذي أسّس له والتر بنجامين.

وتشاؤم عبد الصمد لا ينحصر في نظرته إلى التاريخ بل يطاول نظرته إلى طبيعة العالم ككُلّ.

وثمّة تلطيفٌ وحيد للعنف والقلق الحاضرَين في أعمال عبد الصمد يكمن في الأسلوب المنمّق والنزعة التزيينية والتناغمية المستشعرَين فيها.

فالدوائر الكاملة في عمل "رسم جداري" (٢٠٠٦) تحوّل منحنيات الأسلاك الشائكة إلى مجرّد ترتيبٍ هندسي، وأقفاص الطائرات الملتوية في عمل "الابن سرّ أمه" (٢٠٠٨) تصبح مجرّد تشبيكات نباتية أو لولبية، والسكاكين المغروزة على شكل باقةٍ في الأرض، داخل عملٍ آخر، تظهر على شكل ورودٍ صغيرة مبعثرة على أرض حديقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة