تجربة كاتب عاش زلزال هايتي   
الاثنين 1431/2/3 هـ - الموافق 18/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)

المجتمع الدولي يطلع على حجم دمار زلزال هايتي (رويترز)

أجرت صحيفة لوموند الفرنسية مقابلة مع الكاتب الكندي ذي الأصول الهايتية داني لافريير وصف فيها كيف عاش اللحظات الأولى للزلزال الذي ضرب العاصمة الهايتية بور أو برنس يوم 12 يناير/كانون الثاني 2010.

في البداية حدد الكاتب متى كان وقت وقوع الزلزال وكيف قضى الستين ثانية الأولى؟ قائلا "كنت في فندق كاريبي برفقة الناشر رودي سينت ألوا الذي كان قد جاء لتوه إلى المكان, وكان يتأهب للذهاب إلى غرفته, فطلبت منه أن ينزل معي إلى المطعم وربما كان ذلك هو الذي أنقذ حياته.

وبينما كنا نتناول بعض المأكولات سمعنا صوتا قويا, اعتقدت في الوهلة الأولى أنه انفجار في المطبخ, لكني ما لبثت أن أدركت أن الأرض قد تزلزلت فأسرعت إلى الفناء وانبطحت أرضا, لم يدم الزلزال أكثر من ستين ثانية أحسست خلالها بأن هذه بداية لأمر لا نهاية له, وأن الأرض ستفتح فمها في أي وقت, إنه لأمر جلل، أحسست وكأن الأرض أصبحت مجرد ورقة من دفتر, فلم تعد هناك كثافة, لم أعد أحس بأي شيء, وكانت التربة رخوة ومترهلة".

وبعد الستين ثانية هذه -يقول الكاتب- قررنا أن علينا أن نبتعد عن هذا الفندق, إذ كان عمارة شاهقة فخشينا أن ينهار على رؤوسنا, فنزلنا إلى ملعب التنس, حيث كان كل نزلاء الفندق قد تجمهروا, وما هي إلا دقائق قليلة حتى بدأنا نسمع الصراخ والعويل.

إنها تصدر من البيوت الفقيرة التي كانت متناثرة في المنطقة المحيطة بالفندق, لقد انهارت كلها على رؤوس ساكنيها, ورغم أننا كنا جميعا نخشى الهزات الارتدادية, فإن بعضنا لم يتردد في الهبة لنجدة المتضررين.

الكاتب: ينبغي ألا يوصف بحث الناس عن الأكل والشرب بأنه "نهب" (رويترز) 
ثم ما لبث الصمت المميت أن خيم على المدينة, لم يعد هناك من حركة تذكر, فكل إنسان كان غارقا في تصور مكان وجود ذويه, خاصة أن الزلزال حدث في وقت كانت بور أو برنس تعج بالحركة.

نعم, لقد كان الطلاب في بداية انصرافهم من المدارس, وكان الناس يقومون بآخر مشاويرهم قبل العودة إلى البيوت والزحام المروري على أشده, لقد كانت ساعة تفكك تام للمجتمع وتطاير لأفراده هنا وهناك, ولا أحد يعرف في مثل تلك الساعة أين ذووه؟

وهكذا دب الذعر والكرب والقلق, وأدى هول الصدمة إلى صمت مطبق استمر عدة ساعات, وبعد أن أفاق الناس من تلك السكرة الأولى بدأ البحث عن الأهل والأقارب, وعندها عدنا إلى الفندق, وعلمنا من الروايات الشفهية وإحدى الإذاعات الأميركية أن القصر الرئاسي قد انهار, لكن الرئيس لم يصب بأذى, غير أن أيا ممن كانوا حولنا لم يكن لديه خبر عن مصير أفراد عائلته.

ووصف الكاتب بعد ذلك كيف اجتمع مع بعض الكتاب والأدباء والفنانين الآخرين ليطمئن كل منهم على الآخر, وكيف تحكم الدمار ورائحة الموت في الأفق كله.

ولم يقبل لافريير أن ينهي هذا الحوار قبل أن يشجب بأشد العبارات وصف ما جرى لهايتي بأنه "لعنة" أو عقاب من الرب وكأن هذا البلد اقترف ذنبا يستحق بسببه ما حل به, "هايتي لم تؤذ أحدا ولا تدفع ثمنا لأي ذنب اقترفته وإنما تعرضت لكارثة يمكن أن تحل في أي مكان آخر من العالم".

كما ندد الكاتب باستخدام كلمة "النهب" لوصف ما يقوم به الناس اليائسون من محاولة الحصول على أي شيء يسدون به جوعهم ويروون به عطشهم غير آبهين بالمخاطر وهم يبحثون في الأنقاض عن ما يلبون به حاجاتهم الآنية الملحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة