أغوتا كريستوف.. "أمية" أبدعت بلغة العدو   
الأربعاء 12/6/1436 هـ - الموافق 1/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 12:02 (مكة المكرمة)، 9:02 (غرينتش)

هيثم حسين

تستذكر السويسرية من أصل مجري أغوتا كريستوف في كتابها "الأمية" مراحل من سيرتها الذاتية حين هجرت بلدها وهي في العشرينيات من عمرها إثر تعرضها لضغوط من السلطات الحاكمة حينذاك.

وتستعيد كريستوف مرحلة طفولتها وكيف كانت قد تعلمت القراءة وهي في الرابعة من عمرها، إذ كان والدها معلم البلدة الوحيد. كما تعود بذاكرتها إلى تلك المرحلة التي تشكل بالنسبة إليها مستودع حكاياتها وأسرارها وآلامها وأحلامها.

تذكر أغوتا كريستوف (1935-2011) أنها حين كانت صغيرة كانت تحب رواية قصص من نسج خيالها، وأنها أحيانا حين كانت تزورهم جدتها من المدينة لتساعد أمها وتتولى في المساء وضعهم في فراش النوم، كانت تحاول تنويمهم بحكايات سمعوها عدة مرات قبل ذلك، وكانت هي تخرج من فراشها وتقول لجدتها "أنا من سيروي الحكايات، ولست أنت". وتذكر كيف أنها كانت تبدأ بجملة، أية جملة، ويتوالى السرد من دون نهاية.

وتشير كريستوف إلى أن الرغبة في الكتابة لم تأتها إلا فيما بعد، عندما انقطع خيط الطفولة الفضي وأتت الأيام السيئة والسنوات التي تصفها بأنها لا تحبها. حين افترقت عن والديها وأخويها، والتحقت بمدرسة داخلية في مدينة لا تعرفها، وحيث لم يعد لديها من وسيلة لتحمل ألم الفراق سوى الكتابة. وكانت تكتب مذكراتها بلغة سرية اخترعتها حتى لا يتمكن أحد من قراءتها.

اللغة العدو
تقول صاحبة "الدفتر الكبير" إنه في البدء لم تكن ثمة سوى لغة واحدة. الموضوعات والأشياء والأحاسيس والألوان والرسائل والكتب والجرائد كانت تلك اللغة. وتعترف أنها لم تكن تستطيع تخيل وجود لغة أخرى، أو بإمكان أن ينطق إنسان بكلمة لا تفهمها.

كريستوف تجري نوعا من المراجعة التاريخية عبر استذكار محطات متقاطعة مع سيرتها الذاتية، منها مثلا يوم وفاة ستالين 1953، إذ فُرض عليهم الحزن في المدرسة في حين أنهم كانوا مبتهجين في قراراتهم دون أن يجرؤوا على التعبير عن بهجتهم

وتحكي أنها عندما بلغت السنة التاسعة رحلوا من قريتهم وسكنوا مدينة على الحدود حيث ربع السكان على الأقل كانوا يتحدثون الألمانية التي كانت بالنسبة لهم لغة عدوا، لأنها كانت تذكّرهم بالاحتلال النمساوي لبلدهم، كما أنها كانت اللغة التي يتحدث بها الجنود الأجانب الذين كانوا يحتلون بلادهم في ذاك الزمن. وبعد سنة احتل بلدهم من طرف جنود آخرين، وفرضت اللغة الروسية في المدارس ومنع تدريس اللغات الأخرى.

تصف كريستوف بأسى أنهم كانوا يشهدون آنذاك عملية تشويه ثقافي على المستوى الوطني، ومقاومة سلمية طبيعية، مقاومة غير مركزة، تنطلق من تلقاء ذاتها، وبالقدر نفسه من الفتور كان يتم تعليم وتعلم جغرافية الاتحاد السوفياتي وتاريخه وآدابه، وكيف أنه تخرج في المدارس "جيل من الجهلة".

ثم تنتقل إلى وصف حالتها حين وصلت إلى سويسرا وهي في الواحدة والعشرين من عمرها، وألفت نفسها بالصدفة المحض في مدينة يتحدث سكانها الفرنسية، فواجهت لغة مجهولة تماما بالنسبة لها، وهناك بدأت نضالا محتدا وطويلا استمر طيلة حياتها لقهر تلك اللغة المركبة. وتراها تسمي اللغة الفرنسية أيضا لغة عدوا، برغم أنها تكلمت بها أكثر من ثلاثين سنة، وكتبت بها أكثر من عشرين سنة، ومع ذلك لا تعرفها حق المعرفة، ولم تستطع التحدث بها من دون أخطاء، كما لم تستطع الكتابة بها دون الاستعانة بالمعاجم التي كانت ترجع إليها دائما، لهذا كانت تسميها لغة عدوا، بالإضافة إلى سبب آخر، وهو السبب الأخطر برأيها "هذه اللغة تقتل لغتي الأم".

تجري كريستوف نوعا من المراجعة التاريخية عبر استذكار محطات متقاطعة مع سيرتها الذاتية، منها مثلا يوم وفاة ستالين 1953، إذ فُرض عليهم الحزن في المدرسة في حين أنهم كانوا مبتهجين في قراراتهم دون أن يجرؤوا على التعبير عن بهجتهم أو الإفصاح عنها بأية طريقة.

كما تستعيد نوعا من المحاسبة المتأخرة، متسائلة كم من الضحايا يحمل وزرهم؟ تضيف لا أحد يعلم. وتعقّب أنه ما لا نستطيع الإحاطة به هو مدى فداحة الضرر الذي ألحقه الحكم الدكتاتوري بالفلسفة والفن والأدب في بلدان شرق أوروبا. وتجد أنه عندما فرض الاتحاد السوفياتي أيديولوجيته على تلك البلدان، لم يعق تقدمها الاقتصادي فحسب وإنما سعى إلى قتل ثقافتها وهوياتها الوطنية.

وتلفت كريستوف النظر إلى جانب متمثل في سكوت الأدباء الروس على تلك المسألة، قائلة: ما رأيهم، هم الذين خضعوا لحكم الطاغية، ما رأيهم في تلك "البلدان الصغيرة التي لا شأن لها"، والتي فُرض عليها بالإضافة إلى الهيمنة الداخلية أن تخضع لهيمنة خارجية، هيمنة بلدهم، هل يُشعرهم الأمر بالعار؟ هل سيحسون يوما بالعار؟

حدود ومدن
تعود أغوتا بذاكرتها إلى مشوار عبورها الحدود بطريقة غير شرعية إلى النمسا ومنها إلى سويسرا، ومعاناتها في مخيمات اللجوء. وتتعجب من قلة الذكريات التي حفظتها عن تلك المرحلة، وكأنما جرى كل ذلك في حلم، أو في حياة أخرى. وكأنما ذاكرتها ترفض استعادة تلك اللحظة التي فقدت فيها جزءا من حياتها.

كريستوف تحدثت عن تصورها كيف يصير المرء كاتبا، وتؤكد أنه ينبغي في البداية أن نكتب ثم ينبغي بعد ذلك الاستمرار في الكتابة، حتى في أسوأ الظروف. وتجيب بعد خبرتها الطويلة أن المرء يصير كاتبا حين يكتب بإصرار وأناة، دون أن يفقد إيمانه أبدا بما يكتبه

وقالت المبدعة المجرية بألم إنها تركت في المجر دفتر مذكراتها المكتوب بحروف سرية وقصائدها الأولى، وتركت أخويها ووالديها دون أن تعلمهم برحيلها أو تودعهم، لكن أهم حدث هو أنها في ذلك اليوم الذي خرجت فيه أواخر أكتوبر/تشرين الثاني 1956 فقدت إلى الأبد انتماءها إلى شعب.

تصف الكاتبة فترة لجوئها بمرحلة الصحراء، صحراء اجتماعية وثقافية، وهي التي اضطرت فيها إلى تعلم لغة جديدة، والعمل لساعات طويلة في المعامل، وتعلمت القراءة من جديد، وشعرت بنفسها أنها أمية، وعبّرت عن خيبة أملها ببداية حياة المنفى وطبيعة الخسارات الحياتية الفادحة.

كما تتحدث كريستوف عن تصورها كيف يصير المرء كاتبا، وتؤكد أنه ينبغي في البداية أن نكتب ثم ينبغي بعد ذلك الاستمرار في الكتابة، حتى في أسوأ الظروف. وتجيب بعد خبرتها الطويلة أن المرء يصير كاتبا حين يكتب بإصرار وأناة، دون أن يفقد إيمانه أبدا بما يكتبه.

وتقر كريستوف أنها لم تكتب قط بالفرنسية كما يكتبها الكتاب الفرنسيون ولادة، لكنها حاولت كتابتها كأفضل ما تستطيع. وتقول إنها لم تختر هذه اللغة، ولقد فرضتها عليها الصدفة، فرضها القدر، وفرضتها الظروف، كاشفة أنها كانت مكرهة على الكتابة بالفرنسية، وأن ذلك كان تحديا بالنسبة إليها. إنه تحدٍّ تخوضه امرأة أمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة