أكراد العراق يدرسون العربية ولا يفهمونها   
الجمعة 1434/12/28 هـ - الموافق 1/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:38 (مكة المكرمة)، 8:38 (غرينتش)
تلميذان كرديان بإحدى مدارس السليمانية (الجزيرة)

السليمانية-ناظم الكاكئي

"أكملتُ الدراسة الإعدادية العام المنصرم ودخلت الجامعة هذا العام بمدينة السليمانية بكردستان العراق، ولا أعرف من العربية سوى كلمة عين". هكذا وصف الطالب هفال شيروان مستوى استيعابه لمادة اللغة العربية. وقال شيروان المقبول حديثا بكلية الإدارة والاقتصاد بإحدى الجامعات الأهلية بالسليمانية إن العربية كانت أحد أسباب تدني معدله بالمرحلة الأخيرة من الدراسة الثانوية العام الماضي، إذ بالكاد حصل على 50% فيها وللعام الثاني على التوالي.

واعتبر أن المنهج السابق لمادة اللغة العربية في مدارس إقليم كردستان العراق "جاف وعسير على الاستيعاب" بالنسبة للطلبة الأكراد الذين لا يسمعون مرادفات اللغة العربية إلا في الفصل الدراسي، ناهيك عن عدم وجود مدرسين أكفاء قادرين على إيصال المعلومة للطالب بأسلوب سلس.

هفال شيروان: منهاج العربية في كردستان العراق جاف (الجزيرة)

الأصعب

أما هنار شمال -الطالبة في كلية الهندسة بجامعة السليمانية- فقد أكدت بأن مادة اللغة العربية كانت الأصعب بالنسبة لها من بين جميع المواد الدراسية الأخرى في المرحلة الأخيرة من الثانوية. وقالت "لم يكن أمامي خيار سوى حفظ المنهاج بما فيه دروس الإنشاء والتعبير دون أي فهم لمعانيها، وقد حصلت على 99% في امتحانات البكالوريا العام المنصرم، ولازلت مذهولة بتلك النتيجة".

بالمقابل يتحدث سنكر بختيار (26عاما) عن تجربة مختلفة مع العربية. فهو يعمل مهندسا مدنيا في إحدى شركات المقاولات منذ تخرجه قبل أربع سنوات. ويقول "بحكم عملي مع المهندسين والعمال العرب في المشروع السياحي الذي أشرف عليه بالسليمانية، تعلمت الكثير من مفردات المحادثة بالعربية العامية، إلا أن لكنتي الكردية تطغى على المصطلحات التي ألفظها، فمثلا عندما أنادي عاملا اسمه ثامر، أقول تعال سامر".

ونظرا لعدم وجود مؤسسة معنية بشؤون الدراسة العربية في إقليم كردستان، فقد تعذر التوصل إلى إحصاءات رسمية أو شبه رسمية بخصوص عدد الكرد الدارسين بالعربية، أو عدد الذين يتقنونها أكاديميا أو حتى عدد المواطنين الذين يجيدون التحدث باللهجات العراقية المحلية مما يجعل الخوض في مثل هذه المسائل مجرد تقديرات.

ويجمع التربويون بهذا الصدد على أن عدد الذين يجيدون العربية من الجيل الجديد قد لا يتجاوز 1% بين شباب كردستان العراق.

ويعزو كمال محمود صالح (مدرس اللغة العربية منذ 22 عاما) أسباب تدني مستوى استيعاب اللغة العربية لدى الطلبة الكرد، إلى الأسلوب التقليدي والكلاسيكي القديم الذي يتبع في تدريس هذه المادة منذ الصف الخامس الابتدائي وحتى نهاية المرحلة الثانوية، حيث يلقن الطالب دروسا لغرض أداء الامتحان وتحقيق النجاح فقط. 

ويؤكد صالح أن المنهاج الجديد المتبع حاليا في مدارس الإقليم، عبارة عن دروس في أسلوب المحادثة بالعربية، ويجزم بأنه كفيل بإنقاذ الطالب الكردي من معضلة عدم القدرة على التحاور بالعربية، مشيرا إلى وجود مدرسين كرد متخصصين باللغة العربية لكنهم لا يجيدون التحدث بها على نحو جيد.

شيرين عثمان فضلت المدارس العربية (الجزيرة)

وتجزم المشرفة التربوية المتقاعدة نازنين أكرم أدهم، التي مارست التدريس في مدارس عربية وكردية في أربيل والسليمانية على مدى 37 عاما، بأن أجهزة التسلية الحديثة ووسائل التقدم التكنولوجي وعدم وجود أساتذة جامعيين أكفاء في اللغة العربية، هما السببان الأساسيان في عدم استيعاب الطلبة الكرد للعربية، بدليل أن الجيل السابق من الأكراد يتقنونها على نحو جيد.

الجيل السابق
وتتابع نازنين أدهم قائلة "إن هناك شريحة واسعة من الأكراد وخصوصا من أبناء الجيل السابق، وأنا منهم، يرغبون كل الرغبة في تعليم أبنائهم بالعربية بل واللغات الأجنبية الحية، لما لتعدد اللغات من أهمية قصوى في حياة الإنسان الكردي.

أما الباحث الاجتماعي والمتخصص في اللغة العربية خالد الحاج أحمد فيؤكد على حق كل إنسان في الدراسة بلغته الأم، باعتبارها رديفا لهويته القومية، منوها إلى أن إصرار معظم الأسر في كردستان على تعليم أبنائها في المدارس الكردية مرده في الغالب إلى الاعتزاز المعنوي باللغة القومية، مستبعدا أن تكمن أي أسباب سياسية أو نفسية ذات صلة بالماضي، وراء عزوف الكرد عن الدراسة بالعربية.

لكن "شيرين عثمان" المتخصصة بتعليم التلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة، فتؤكد بأنها فضلت إدخال أبنائها الثلاثة إلى المدارس العربية في السليمانية إدراكا منها لأهمية الدراسة بالعربية وآفاقها المستقبلية، والحيلولة دون انقطاع أبنائها عن الدراسة العربية التي تعلموها في مدارس بغداد قبل انتقالهم إلى السليمانية منذ نحو عشر سنوات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة