جائزة باشراحيل الثقافية تهدف للتوعية الفكرية   
الأحد 1426/9/6 هـ - الموافق 9/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:55 (مكة المكرمة)، 9:55 (غرينتش)
عبد الله باشراحيل (الجزيرة)
يعتبر الأمين العام لجائزة باشراحيل للإبداع الثقافي الشاعر الدكتور عبد الله باشراحيل من أصحاب القضايا الفكرية, وقد أظهر منذ فترة اهتماما بهمِّ المثقف والمبدع العربي وجسد ذلك في إعلانه قبل عامين تقريبا عن جائزة تقارع في قيمتها ومعناها وأهدافها جوائز أخرى.
 
وفي هذا الحوار الذي خص به الدكتور عبدالله باشراحيل الجزيرة نت نحاول سبر أغوار شاعر يحترق مع حروفه وما تحمله من هموم عربية وإسلامية ومع رجل أعمال يقدم بسخاء لإنسانه العربي ومع مثقف يدرك بوعي أين المشاكل ويقترح لها الحلول.
 
الدكتور عبد الله با شراحيل هل لك أن تعطينا فكرة عن جائزة محمد صالح باشراحيل للإبداع الثقافي في دورتها الثانية؟
 
أنشئت جائزة محمد صالح باشراحيل لهدف كبير جدا يسمو إلى مصاف الوعي الثقافي وإلى مستوى الإحساس بقيمة الفكر الخلاق الذي يؤسس للأمم ويدعو أبنائها إلى الاحتفاء بالعبقريات الأدبية والإنسانية لتحقيق التكاملية في ما بيننا وبين الآخرين لما يخدم أمتينا العربية والإسلامية.
 
"
تشمل الجائزة مجالات الشعر والقصة والرواية والنقد والدراسات الأدبية ثم أخيرا الدراسات الإنسانية والمستقبلية وقد شهدت الدورة الأولى منح أربع جوائز تقديرية استثنائية
"
تشمل الجائزة مجالات الشعر والقصة والرواية والنقد والدراسات الأدبية ثم أخيرا الدراسات الإنسانية والمستقبلية وقد شهدت الدورة الأولى منح أربع جوائز تقديرية استثنائية قدمت لشخصيات ضمت الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والشاعر أدونيس والشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد ثم الكاتب الأميركي كارل أرنست نظير كتابه (أتباع محمد).
 
أما الجوائز الأساسية للمتقدمين فقد فاز في الشعر اللبناني شوقي بزيغ والدراسات المستقبيلة الدكتورة يمنى الخولي والتونسي محمد اليوسفي في النقد وفي القصة الأديب السوري نبيل سليمان.
 
وحقيقة كان حفل التكريم عبارة عن تظاهرة أدبية كبيرة جدا احتشد لأجلها الكثير من الأدباء والمفكرين في عالمنا العربي حتى إن البعض صنف الجائزة بأنها الجائزة الثقافية التي استقطبت جميع الاتجاهات الفكرية والشعرية بدون حساسيات, لذلك كانت الدورة الأولى مشجعة وأحسسنا من خلالها أن هناك تقديرا لأصحاب الرأي والعلم والإعلام في وطننا العربي.
 
ما ذا عن هذه الدورة؟
 
لقد أعلنا عن هذه الدورة واستقبلنا الطلبات التي ينتهي قبولها بعد ثلاث شهور ومن ثم التحكيم ليتم الإعلان عنها في القاهرة خلال احتفالية كبيرة وأريد هنا أن أقول إنه والحمد لله تقدمت لهذه الدورة أسماء كبيرة جدا في عالمنا العربي.
 
يزخر عالمنا العربي بكثير من المثقفين والمفكرين لكنهم لا يجدون عادة من يحتفي بهم ولا نسمع عنهم إلا من خلال جائزتين أو ثلاث تتكرر كل عام مثل العويس والبابطين وجائزتكم, في نظركم أين الخلل؟
 
مع الأسف الشديد أمتنا تزخر بالرأسماليين ولو قدموا الجزء اليسير من زكواتهم أو فوائدهم الربوية لما كان هناك أديب أو عالم يحتاج إلى شيء, على هؤلاء أن يساهموا بتسخير جزء بسيط مما لديهم في تقدم الفكر وفي دعم التجارب التطبيقية وتطوير الأساليب حتى نلحق بالركب ونواكب العالمية, المشكلة أن هناك نقصا في الوعي بقيمة الفكر والأدب فالكل يبحث عن نفسه لا عن الآخرين.
 
وفي هذا الإطار ودعما لهذا التوجه وسدا لهذا الفراغ المؤلم استحدثنا جائزتين جديدتين باسم عبد الله باشراحيل إحداهما أعلنا عنها في الإسكندرية الأسبوع الماضي وشاركت فيها نخب شبابية وكانت حقيقة مميزة من حيث الحضور والمتابعة، والأخرى بجامعة المنيا أضفنا ضمنها جائزة في لون جديد وهو الشعر المسرحي.
 
هل تعتقد وأنت قريب من الساحة الثقافية أن ما أعلن في الإمارات قبل فترة عن العمل على إنشاء سوق ثقافية عربية مشتركة يمكن تحقيقه؟
 
هناك روابط قومية وعربية بحكم اللغة والدين والتواصل الإنساني تمكننا فعلا من تحقيق ما نريد واعتقد أن هذه السوق الثقافية العربية ستكون نقلة نوعية وستكلل بالنجاح إذا توفر الإيثار والأريحية في التعاطي مع هذه الفكرة أما إذا كانت النية موجهة نحو وضع سياسي معين لمجرد ذر الرماد في العيون فذلك معناه الفشل لأن هذا الجانب هو الذي أوقعنا في هذا التخبط مما أدى إلى الإحباط واليأس اللذين أحس معهما مفكرونا وأدباؤنا أن الأمة لا تهتم إلا بالذاتيات وترفض روح الجماعة الإنسانية.
 
لقد كنا نأمل في كثير من المؤسسات التشجيعية أن تكون محتضنة لكافة أبناء العروبة ولكن النوايا كانت تسعى دائما إلى الشهرة ولا تولي أي اهتمام للقيم الثقافية مما أدى أيضا إلى انهزامنا حتى أصبحت قدراتنا مضمحلة متقاعسة.
 
أين هو المثقف ودوره في السياسة وهل تعتقد أن المثقف العربي لم يعد يخدم قضاياه, وماذا عن العراق؟
 
"
هناك روابط قومية وعربية بحكم اللغة والدين والتواصل الإنساني تمكننا فعلا من تحقيق ما نريد
"
لقد أصبح المثقف دمية في يد السياسي ومع الأسف فإن الأصوات الناجحة لم تأخذ حقها في شرح القضية الكبرى الحالية وهي القضية العراقية بل تم تناولها بشكل سطحي مع أنها قضية تعتبر البذرة الأولى لمشاكل أخرى سوف تمتد إلى بلدان تالية من الوطن العربي وهذا نذير غير كفيل بسد ثغرات الأمة، لأننا إذا افتقدنا الفكر سوف يؤدي ذلك إلى تصديق تخلفنا المزعوم وهو ما لا يجب أن ينطبق على أمة انتجت عباقرة مثل ابن سينا والفارابي والخوارزمي وغيرهم من  العلماء الذين قامت الحضارة الغربية على نظرياتهم العلمية والأدبية.. إننا للأسف نحاول شطب أسماء هؤلاء من ذاكرة التاريخ وأصبحنا نجدف عكس التيار وكل يغني على ليلاه.
 
  
كيف كانت بداياتك الشعرية؟
 
في باكورة حياة أي إنسان تشكل الرومانسية عنده خطا أوليا فتجده إذا كان شاعرا أو قاصا تشكل العاطفة عنده قوة جارفة تتجه إلى النصف الآخر من الحنين سواء كانت الأم أو الوطن أو الحبيبة أو المعشوقة، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة انتقالية حيث سن الشباب ثم مرحلة النضج ولا شك أن التشجيع يلعب دورا كبيرا في هذه المراحل.
 
ولقد شجعني والدي رحمه الله بالرغم من إنه لم يكن شاعرا ولكن كان جدي رحمه الله شاعرا وكان والدي يعكف على قراءة المتون العربية والإسلامية.
 
وأذكر أنه لما كان عمري سبع سنوات اشترى لي كتاب الإنشاء العصري ثم بعد ذلك اشترى لي كتاب جواهر الأدب لينقلني بشكل تدريجي وتربوي إلى مراحل استطعت بعدها أن أنهل من كتابات العقاد وطه حسين والمنفلوطي وغيرهم ثم قرأت الشعر الجاهلي والأموي والعباسي وصولا للعصر الحديث, ونظمت أول قصيدة لي حين كان عمري عشر سنوات أثناء عودة الملك سعود تتألف من عشرة أبيات حملت بعدها على الأعناق.
 
ولما وصل عمري إلى 12 سنة بدأت أكتب خواطري الشعرية لتتبلور تجربتي بعد انتقالي للدراسة في القاهرة وهناك جمعت قصائدي وقدمتها إلى الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد حيث كنا نسكن متجاورين وطلب مني التريث مع إيمانه بالموهبة ليقدم لي بعد عام ديواني الأول "معذبتي".
 
اللغة عندك حافلة بنفس الشعراء العباسيين ورصانة وجزالة قوية من أين استقيت هذه اللغة؟
 
 
اعتمدت في قاموس لغتي على القرآن مما أكسبني معجما رصينا وظفته في شعري التوظيف المناسب ولذلك أحمد الله سبحانه وتعالى على أن شعري يجمع بين ثناياه ما استقيته من كتابه الكريم.
 
من يسكنك المتنبي أم البحتري أم أبو تمام؟
 
أنا مسكون بالمتنبي، وغيره لا يمثل لدي القيمة الكبيرة لأنه قال وصدق:
وماالدهر إلا من رواة قصائدي   إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
 
ولكن هذا لا يعني أنني أقلل من إبداعهم بل إن لكل منهم قيمته ولكن المتنبي في اعتقادي لن يجود الزمان بمثله.
 
ما رأيك في قصيدة النثر؟
 
كتبت قصيدة النثر حتى أبرهن أنها مجرد كلام مرصوص على بعضه لأن من يجد النهر لا يغترف من الجداول... نعم أنا مؤمن بأنه يجب أن لا نحصر أنفسنا في إطار الشكل كثيرا لكن يجب أن نحافظ على القصيدة، فشعرنا العربي لولا وجود بعض الإحباطات التي أدت إلى تراجعنا لظل له شأن كما كان دائما.
 
هل تناولت شخصيا في شعرك وكتاباتك هموم أمتك وكيف؟
 
لقد شاركت في كل الهموم العربية آخرها كان القصيدة التي أرسلتها إلى كثير من زعماء العالم مثل الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وبعض الشخصيات وتلقيت على إثرها خطابات تشرف الوطن العربي.
 
لقد شرحت في القصيدة قضيتنا في معرض الرد على رسالة المثقفين الأميركيين ضدنا حتى أن البعض اعتبر أن هذه القصيدة التي قدمتها أدت دورا أكبر من الدبلوماسية العربية.
 
وقد طلب مني السفير الأميركي حينها إقامة مهرجان لحوار الثقافات، وأضيف هنا أنني أتشرف بالمقدمة التي كتبها لي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لديواني "وحشة الروح" وهو رجل يمتلك من رصانة الكلمة والأداء ما يثلج صدر أي عربي يسعى إلى النظر إلى ساسته.. وأتمنى أن يكون هناك مثله.
 
تقول في قصيدة رائعة لك:
أحقا أرى دمعتي في ارتحال    وعمق الجراح بدا لي سراب
ومغنى العيون فدى ملعبي     وحبي إليك مسار السحاب
كيف تشكلت هذه الصورة المركبة لديك وأنت رجل أعمال هل توازن بين الجانبين الشعري والعملي أم يطغى عليك الشعر؟
 
"
أنا مسكون بالمتنبي وغيره لا يمثل لدي القيمة الكبيرة
"
الصورة هي وليدة الصدفة وهي تراكم كمي من المعلومات والشاعر يحلق في الأجواء لا تمنعه الموانع ولا تحده الحدود في ظل عوالم الأرض.. لذلك أقول إذا كان الشاعر خياله خصبا يستطيع أن ينتج شعرا رصينا وجميلا مثل رعيلنا الأول.. وهذا الشعر حقيقة يمثل هويتنا وأمة بلا فكر أمة جوفاء.
 
تقول عن الشهيد
"صامت كالظل في أوطانه   يشرب الذل بكأس الأود"
كيف هي صورة ما أصبح يسمى بالإرهابي كيف تراه أنت؟
 
الصورة التي في ذهني عن العالم العربي تكاد تكون معتمة لأنه لم يأخذ بأسباب الفكر وأصبحنا في مهب الريح ولذلك أميركا تحركنا كيف تشاء نتيجة لقيامنا بضرب الفكر ورموزه الأدبية كما أننا لم ننتبه إلى الجيل الجديد الذي ستكون ثقافته ثقافة الفيديو كليب وتلك التفاهات التي تعرضها علينا بعض القنوات الفضائية.
 
إن الحل هو في العودة إلى العقلية الراشدة, نحن أمة مسلمة يجب أن نتواصل مع كل الثقافات والأديان مع الحفاظ على هويتنا, علينا أن نفتح قنوات بلغة الآخر تصحح صورتنا، علينا أن نعرف أن ديننا متسامح ويحث على المسالمة والإحسان والحوار علينا أن نعرف أن هناك مشتركات تجمعنا بالأمم الأخرى في الاقتصاد والسياسة والسياحة والثقافة لأن العداوة حقيقة الموجودة الآن هي عداوة السياسة مع السياسة وليست بين الشعوب العربية والغربية.
 
هل أنت مؤمن بتوقيعاتك ومن أين استقيتها؟
 
أنا مؤمن بكل ما كتبته في توقيعاتي وقد استقيتها من فكري وتجربتي وترجمت إلى خمس لغات كما أنني عالجت في ديواني الجديد "الجراح تتجه شرقا" مشروع الشرق الأوسط الكبير وقد كتب لي الناقد الكبير محمود أمين العالم أنه استشهد به خلال المشاركة في ندوة عن مشروع الشرق الأوسط الكبير في الأردن بل إنه بعث لي بعبارة تقول" كتاب قد الكف ويقتل مائة وألف".
 
نريد أن تسمعنا قصيدة جديدة من قصائدك؟
 
قصيدة بعنوان "أجنة الدموع" أقول فيها:
 
أجنة الدموع
لا تني 
تحدري على الخدود
واسكبي الأسى تسللي من العيون
خضبي الجفون
انثري رمائم الهموم
فالنفوس قرّحت أكبادها الدهور
أما لمستِ كثرة الندوب في القلوب
والشحوب في الوجوه
رسمها يذوب
أما نظرتِ سطوة الأحقاد
تقرع الطبول
توقد الحروب
والجياع تطعم العنا
ضوامر البطون
والظلام غيهب الصباح
والشوارد الأيام
....
 
يا ناشر الشذى
سيان في رؤى المدى
إن أنت أو أنا
لأنها المدى
لأنها الدّنا
ما فرّقتْ بين النفيس والخسيس
قبلنا وبعدنا
أشراطها دناءة الغوى
نند من إنائها الخنى
فالحب في شطآنها خطيئة
عقابها آثامها
...
 
والناس لم تزل تستكشف الدروب
تنشد الهروب
تشدها الآمال للبقاء والخلود
هيهات والرؤى حبيسة الغيوب
تقتات خلقها الحياة
لم تزل شبعى ولم تزل تجوع.
_____________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة