عن النصوص المهملة   
الخميس 1434/6/28 هـ - الموافق 9/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:05 (مكة المكرمة)، 14:05 (غرينتش)

 

كثيرا ما نسمع عن العثور على روايات مكتملة، أو لم تكتمل، أو مجموعة من القصص غير المنشورة لكاتب ما، بين أوراقه المبعثرة، بعد رحيله وكذلك مجموعة من القصائد لشاعر رحل أيضا، مثلما حدث مع الشاعر الكبير محمود درويش، في مجموعة قصائده التي نشرت بعد وفاته باسم: لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي، وغالبا ما تكون تلك الأعمال المهملة مكتوبة منذ زمن وأنجز المبدع بعدها أعمالا أخرى، وجدت طريقها إلى النشر وهو على قيد الحياة، بعكس تلك الأعمال التي ظلت بعيدة عن النشر، وربما لم يكن ليعرفها أحد لولا وفاته التي أتاحت النبش في الأوراق القديمة.

دائما ما نجد الأعمال المنشورة للمبدعين الكبار متقاربة في مستواها الكتابي، ودالة بصورة كبيرة على بصمة المبدع التي ابتكرها، لأن المبدع تنتابه حالة من الذعر إذا أحس بانهيار في نص جديد له فيعمد إلى تقويته قبل النشر

في الحقيقة، لكل مبدع خصوصية ما في كتابته، بمعنى أنه يكتب ما يخطر  على باله من أفكار، في زمن ما، وبأي أسلوب يراه، وحين ينوي نشر كتابته، فهو يختار ما يقنعه شخصيا، فليس كل ما يكتبه المبدع حتى لو كان راسخا في الكتابة، يرضيه، وبعض أولئك المبدعين يكتبون مئات الصفحات، ثم يمزقونها ويبدؤون في كتابة نفس الفكرة أو فكرة مقاربة من جديد، وبعضهم يحتفظ بكتابته غير المقنعة له أملا في العودة إليها مستقبلا، لإحيائها، أو ربما لمجرد أرشفتها في ذاكرة الورق، وفي حالات أخرى يتم نسيانها تماما، خاصة حين كانت الكتابة تعتمد على القلم والأوراق، وليست مثل كتابة اليوم التي تعتمد على جهاز الحاسوب، وإمكانية احتفاظه بكل شيء بعيدا عن التبعثر.

لذلك دائما ما نجد الأعمال المنشورة للمبدعين الكبار متقاربة في مستواها الكتابي، ودالة بصورة كبيرة على بصمة المبدع التي ابتكرها وسحره، ونادرا ما تجد شيئا مختلفا وأقل مستوى. المبدع هنا يقلق، ويتلفت كثيرا، وتنتابه حالة من الذعر إذا أحس بانهيار في نص جديد له، فيعمد إلى تقويته قبل النشر.

بالمقابل أيضا نجد نصوصا أخرى غير مكتملة، وتم العثور عليها في أوراق كاتب راحل، كأن نجد فصولا من رواية توقفت في مشهد ما، ولم تتزحزح، أو قصيدة من عدة أبيات، كانت بحاجة إلى نهاية، ولن تأتي، وهكذا يشمل عدم الاكتمال مسرحيات وحتى لوحات تشكيلية لفنانين.

بالنسبة للنصوص المكتملة غير المنشورة، فكما قلت، غالبا ما تكون غير مرضية لمبدعها، وخلاف من نشرها، لكن لماذا لا تكتمل نصوص قد تكون براقة، وجيدة الصياغة، وتتماشى تماما مع أسلوب المبدع؟

هنا أسباب عدة، بعضها مقنع تماما، وبعضها غير مقنع على الإطلاق، لكنها تبقى جميعها أسبابا أعاقت اكتمال نص، وبالتالي حجبت ظهوره للناس حتى رحيل المبدع، خاصة مبدعي الأعمال الروائية، منها أن المبدع يظل يكتب فكرة ما، ويتفانى في كتابتها في فصول عدة، ثم فجأة يكتشف أنها ليست فكرة عظيمة على الرغم من جودة صياغتها، وأن أبطاله المكتوبين تمت كتابتهم من قبل، في أعمال لآخرين، وبالتالي، يتوقف عن الكتابة، ويبدأ في البحث عن فكرة أخرى غير متداولة كثيرا، وبما أن الأفكار موجودة دائما في أي زمان ومكان، وتتجدد في كل يوم بتطور المجتمعات، سيعثر غالبا على فكرة أخرى، ويكتمل النص الجديد ويجد طريقه للنشر.

أيضا للانشغال الحياتي دور كبير في عدم اكتمال النصوص، الانشغال بالعمل الوظيفي، في وطن لا يستطيع المبدع فيه أن يعمل مبدعا فقط، ويعتمد في رزقه على إبداعه، لا بد من وظيفة ثابتة، ودخل ثابت يعين على الحياة اليومية، وبذا يضيع وقت طويل في الركض الوظيفي، ويكون النص الذي يكتب قد توقفت كتابته المتدفقة، وأصبح من الصعب لملمته من جديد، ليتحول إلى نص غير مكتمل، يتم العثور عليه لاحقا في أوراق قديمة.

وتأتي مسألة الرحيل الفجائي للمبدعين سببا معقولا وممكنا بأن لا تكتمل نصوصهم التي ضاعت بسبب الوفاة المفاجئة، وهذه بالطبع لن تكتمل أبدا، مثلا تلك النصوص المعروفة التي لم تكتمل للكاتب الفلسطيني الموهوب غسان كنفاني، مثل رواية العاشق، وبرقوق نيسان، نشرت بعد رحيله، في مجلد يضم أعماله الكاملة.

في تجربتي الشخصية، ينطبق علي ما انطبق على غيري، فقد بدأت كتابة أعمال عدة، في أزمنة مختلفة، وتوقفت عن إكمالها، إما بسبب رداءة الفكرة كما خطر لي، وعدم ملاءمتها، وإما بالانشغال الذي أعاق تدفقها، وأصبح صعبا علي أن أمسك بخيوطها من جديد، وأكملها، وبالتالي تحولت إلى نصوص لن تكتمل أبدا.

بعض معجبي الكاتب أو الشاعر يسعون دائما لاكتشاف ما خطه قبل الرحيل ولم ينشر، ويتولون هم نشره بقصد خدمة اسمه، لكن ذلك الحماس قد لا يخدم المبدع في شيء، وربما يضر باسمه

ولأنني تركتها كنوع من الذكريات التي أعود إليها من حين لآخر، ولن أسعى للتخلص منها، أخاف بشدة أن تنشر ذات يوم تحت عنوان: نصوص لم تنشر من قبل، من تلك النصوص رواية بعنوان طحين الفوضى، كنت آمل أن أكملها ذات يوم، ولم يحدث ذلك. وقد حدثني كاتب صديق بأن لديه ثلاث روايات كتبها في مرحلة مبكرة، ولم يستطع نشرها في حينه لصعوبة النشر، وحين استطاع أن ينشر بعد ذلك، قرأ تلك الأعمال، ووجدها غير ملائمة لمرحلته الحالية، فتركها هكذا.

ما أردت قوله هو أن معجبي الكاتب أو الشاعر، وأصدقاءه العديدين، وفي قمة إخلاصهم ووفائهم له بعد رحيله، يتمنون دائما أن يظل موجودا بينهم، عبر نصوص لا يعرفها أحد، وبالتالي يسعون دائما لاكتشاف ما خطه قبل الرحيل ولم ينشر، ويتولون هم نشره، بقصد خدمة اسمه، وجعله مستمرا في زمن آخر، لكن رأيي الشخصي أن ذلك الحماس قد لا يخدم المبدع في شيء، وربما يضر باسمه الكبير، حين تلقي الأضواء على أعمال تركها هو عامدا أثناء حياته، ولم يرد أن ينشرها للأسباب التي ذكرتها، وبالتالي تكون الاستمرارية، بما نشره ويعاد طباعته في كل مرة، أفضل كثيرا من نشر أعمال لم يرد هو نشرها.

أخيرا أنوه إلى أن البصمة الإبداعية للمبدعين الكبار تظل موجودة حتى في الأعمال التي لا يرضون عنها، فقط تبقى قناعة المبدع بنصوصه هي المعيار الذي يتحكم في نشرها من عدم نشرها لديه، ومؤكد للقراء آراء متباينة حتى في النصوص المرضي عنها لدى المبدع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة