الرهانات العالية لارتفاع ضغط الدم   
الثلاثاء 1437/9/3 هـ - الموافق 7/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:07 (مكة المكرمة)، 12:07 (غرينتش)

آن آرتس*

معظمنا يعرف عن ارتفاع ضغط الدم، على الأقل ذلك ما نعتقده. ونفهم أن ارتفاع ضغط الدم بشكل غير طبيعي يضعنا في خطر أكثر من النوبات القلبية والسكتة الدماغية، ونعرف أيضا أن هذا المرض مرتبط بالنظام الغذائي ونمط الحياة، ويمكن علاجه بالأدوية الملائمة.

لكن الكثيرين يقولون إن ارتفاع ضغط الدم هو في المقام الأول مشكلة "الدول الغنية"، مما يعني أن الناس الأكثر تضررا منه يستفيدون من المعرفة والعلاج المناسب، وهذا ليس صحيحا على الإطلاق.

فارتفاع ضغط الدم يصيب بشكل مذهل مليار شخص في جميع أنحاء العالم، ويسبب قرابة عشرة ملايين حالة وفاة سنويا، أي ما يعادل عدد الوفيات بسبب الأمراض المعدية مجتمعة.

وعلاوة على ذلك، فإن معظم حالات مرض ارتفاع ضغط الدم تقع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث يصاب الناس بهذا المرض في سن مبكر ويعانون بشكل أسوأ مما عليه الحال في البلدان ذات الدخل المرتفع. فالناس عرضة للوفاة من مضاعفات ارتفاع ضغط الدم في غانا ومنغوليا وفيتنام أكثر منهم في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن معدلات ارتفاع ضغط الدم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل هي بالفعل من أعلى المعدلات في العالم، ويُحتمل استمرارها في الارتفاع بسرعة.

ومرض ارتفاع ضغط الدم هو الآن أخطر مرض على الصعيد العالمي والسبب الرئيسي للوفاة في معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

مرض ارتفاع ضغط الدم هو الآن أخطر مرض على الصعيد العالمي (دويتشه فيله)

أسباب
من السهل أن نستشف بعض أسباب انتشار ارتفاع ضغط الدم، فزيادة متوسط العمر المتوقع يزيد من انتشار المرض في أوساط كبار السن، بينما تؤدي التنمية الاقتصادية والتمدن إلى انخفاض النشاط البدني وزيادة استهلاك الأغذية المصنعة والخمر والتبغ. ويبدو أن هناك أيضا عوامل أخرى لا تزال غير مفهومة تماما.

ما هو واضح أن الناس في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لا يدركون حقا أنهم مصابون بارتفاع ضغط الدم، نظرا لافتقار المرض إلى الأعراض الواضحة. وأيضا المصابون بارتفاع ضغط الدم قد لا يعرفون أنه مرتبط بالسكتة الدماغية وغيرها من الأمراض القلبية الوعائية.

وهذا يجعل الخدمات الصحية أكثر صعوبة في هذه البلدان والتي غالبا ما تتجلى في نقص الموارد، وتكون مجهزة فقط لتوفير الرعاية الحادة، ولمكافحة ارتفاع وفيات الأمهات والأطفال والأمراض المعدية، وليس لمعالجة ارتفاع ضغط الدم وغيره من الأمراض غير المعدية.

ومع ذلك لم تتدخل الجهات المانحة الدولية لسد هذا النقص، وقد تم تخصيص أقل من 5% من مساعدات التنمية العالمية لمكافحة الأمراض غير المعدية عام 2013.

في زيارتي الأخيرة إلى مستشفى في العاصمة الغنية أكرا، رأيت عن كثب المعاناة والحزن الناجمين عن ارتفاع ضغط الدم.. عنابر المستشفى مملوءة بعشرات من المرضى الواهنين أو من شباب في سن العمل، والذين يتحملون المسؤولية عن أسر ويعانون من آثار السكتة الدماغية أو غيرها من مضاعفات ارتفاع ضغط الدم. وتوجد مشاهد مماثلة في جميع أنحاء البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

والنتيجة ليست فقط معاناة لا توصف للمرضى وأسرهم، ولكن أيضا تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة وضعف الإنتاجية. وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن خسارة الناتج الاقتصادي بسبب الأمراض غير المعدية -بما فيها ارتفاع ضغط الدم- ستبلغ قرابة سبعة تريليونات دولار بين عامي 2011 و2025.

المصابون بارتفاع ضغط الدم قد لا يعرفون أنه مرتبط بالسكتة الدماغية وغيرها من الأمراض القلبية الوعائية (الألمانية)

الحل
ويكمن الحل لمعالجة هذه الأزمة في وضع آليات جديدة لتقديم الرعاية للمريض الذي ينبغي أن يكون محورا رئيسيا في العملية، ويمكن أن تكون المقاربة متكاملة ومندمجة على المدى الطويل في النظام الصحي والاقتصاد المحلي.

الحل المحتمل بالنسبة لمؤسسة نوفارتيس (التي أرأسها) وشركائها، هو نقل المريض من المستشفيات -البعيدة والمزدحمة أحيانا- إلى المجتمع المحلي للحصول على الرعاية.

وابتداء من المنطقة الشرقية في غانا، يقدم برنامجنا المجتمعي لتحسين معالجة ارتفاع ضغط الدم (ComHIP) تدريبات للشركات المحلية والعاملين في مجال الرعاية الصحية لفحص ودعم مرضى ارتفاع ضغط الدم.

وتستخدم أدوات الرعاية الصحية الرقمية لمساعدة الممرضات في صنع القرار، ولضمان اتصالات سلسة بين نقاط الفرز والعاملين في مجال الصحة المجتمعية والأطباء في مواقع الإحالة. كما يهدف البرنامج إلى تمكين المرضى من تحمل المزيد من المسؤولية في رعاية صحتهم.

والنموذج الجديد الثاني لمعالجة ارتفاع ضغط الدم، الذي عرضته مؤسسة نوفارتيس وشركاؤها في فيتنام، هو برنامج "هوشي مينه" المجتمعي من أجل قلوب صحيحة، والذي يهدف إلى تحويل الفحص والعلاج للمجتمع من خلال المشاريع الاجتماعية. وكما هو الحال مع برنامج "ComHIP"، تمكّن التقنية الصحية الرقمية المرضى من الرعاية الذاتية وتوطيد الاتصال بين المريض والطاقم الطبي.

ضغط الدم يرتبط بالسمنة (الجزيرة)

أساليب مبتكرة
المطلوب الآن هو اختبار هذه الأساليب المبتكرة لتقديم الرعاية الصحية، وبناء دليل حول فعاليتها، واستخلاص الدروس من أجل مبادرات أخرى.

ونأمل صقل هذه النماذج حتى نوفر التغطية على المستوى الوطني، ونعالج -إلى جانب ارتفاع ضغط الدم- الأمراض غير المعدية الأخرى. ونحن الآن بصدد التخطيط للعمل مع الشركاء المحليين والدوليين على التكيف مع النماذج الناجحة لتكون بمثابة أساس لبرامج في بلدان أخرى، مع التركيز على المناطق الحضرية.

وفي الشهر الماضي، ذكرنا اليوم العالمي لارتفاع ضغط الدم أن هذا المرض يعدّ في الواقع مشكلة يعاني منها العالم بأسره. ومثل أي مشكلة عالمية فإنها تتطلب حلا عالميا. وعلى وجه التحديد، على الجهات الدولية الفاعلة التعاون مع المجتمعات المحلية لبناء نماذج جديدة تطبق حتى في الأماكن الصعبة أو ذات الموارد القليلة. عند ذلك فقط يمكننا معالجة الأمراض غير المعدية بنجاح.
_______________
* رئيسة مؤسسة نوفارتيس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة