أحمد داود أوغلو.. توليفة ناجحة للعلم والسياسة   
الخميس 1435/12/16 هـ - الموافق 9/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:50 (مكة المكرمة)، 17:50 (غرينتش)

تولى أحمد داود أوغلو رئاسة وزراء تركيا في أغسطس/آب 2014 خلفا لرجب طيب أردوغان الذي تولى رئاسة البلاد.

وفي أول اجتماع له بمجلس الوزراء، طرح أوغلو برنامج حكومته الذي تميز بتبني قضية السلام مع الأكراد، والتعهد بخلق تركيا جديدة، ومواصلة مكافحة عناصر جماعة الخدمة الذين اتهمهم بأنهم ما زالوا متغلغلين في مؤسسات القضاء والأمن.

ويعتبر أوغلو واحدا من أهم الساسة الأتراك في العصر الحديث، ويحسب له ابتكار وتطبيق خط جديد في السياسة الخارجية التركية كان له أكبر الأثر في استعادة البلاد مكانتها كلاعب رئيسي في المنطقة والعالم.

وقد بدأ مسيرته في المضمار السياسي عام 2002 كمستشار أعلى لرئيس الوزراء، وسرعان ما لوحظت بصماته بوضوح على محاور مهمة من السياسة الخارجية التركية، حيث قدم خطا سياسيا جديدا يدعو تركيا لاستيعاب الوضع الإقليمي الجديد في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، وترسيخ مفهوم استقلالية القرار التركي دون الحاجة إلى الولايات المتحدة كما كان الحال أيام الحرب الباردة.

في عام 2009 تولى حقيبة الخارجية، وطبق مبدأه الذي ابتكره والمعروف اصطلاحا باسم "صفر مشاكل مع دول الجوار"، واستطاع بفضل ذلك التوجه حل الكثير من المشاكل المتعلقة بالسياسة الخارجية التركية، كما وصل إلى حلول مرضية مع أكراد بلاده الذين يقودون تمردا ضد الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي ذهب ضحيته عشرات الآلاف من الضحايا من الجانبين.

ويحسب لأوغلو قيادة ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بطريقة مبتكرة، حيث استطاع التوصل إلى حلول مع الجيش الذي تمتع بسطوة على المشهد السياسي التركي منذ انهيار الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين.

استطاع أوغلو أن يتوصل إلى تسويات مع الجيش لإزاحته عن المشهد السياسي، وهي أول مبادئ الديمقراطية التي تطالب بها "معايير كوبنهاغن" التي وضعها الاتحاد الأوروبي لقبول عضوية أي دولة فيه.

اختير أوغلو (يسار) وأردوغان ضمن
أفضل مائة مفكر عام 2011
(الجزيرة)

سيرة أكاديمية
ولد داود أوغلو يوم 26 فبراير/شباط 1959 في كونيا بوسط تركيا، وأكمل دراسته الثانوية في المدرسة الألمانية الدولية في إسطنبول.

تخرج عام 1983 في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة البوسفور في تخصصي الاقتصاد والعلوم السياسية، ونال شهادة الماجستير في الإدارة العامة، والدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الجامعة ذاتها.

عمل ما بين عامي 1990 و1993 أستاذا مساعدا في الجامعة الإسلامية الدولية بماليزيا التي أسس فيها قسم العلوم السياسية، ثم عمل أستاذا مشاركا بين 1995 و1999 في معاهد ومؤسسات تابعة لجامعة مرمرة، وهي معهد دراسات الشرق الأوسط، ومعهد البنوك والتأمينات، وبرنامج الدكتوراه في قسم الإدارة المحلية والعلوم السياسية، وشغل بين 1998 و2002 منصب متحدث زائر في الأكاديمية العسكرية وأكاديمية الحرب.

نشر أوغلو -وهو أب لأربعة أولاد- العديد من الكتب والمقالات في السياسة الخارجية باللغتين التركية والإنجليزية، وترجمت مؤلفاته إلى العديد من اللغات، كالعربية واليابانية والبرتغالية والروسية والفارسية والألبانية.

ومن بين مؤلفاته "الفلسفة والسياسة"، و"العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية"، وكتاب "العمق الإستراتيجي" الذي وضع الإطار النظري للتوجه الجديد للسياسة الخارجية التركية.

ويتبنى أوغلو -الذي يتحدث الإنجليزية والألمانية والعربية إضافة إلى التركية- عددا من الأفكار التي توصل إليها في بحوثه الأكاديمية، ومن بينها ضرورة خروج تركيا من الدور الإقليمي المحدود إلى أفق التأثير في السياسة الدولية.

اختارته مجلة "فورين بوليسي" عام 2010 ضمن أهم مائة مفكر في العالم، وذلك باعتباره أحد أهم العقول التي تقف وراء نهضة تركيا الحديثة. وفي 2011 اختارته المجلة مع رئيس الوزراء حينها رجب طيب أردوغان ضمن القائمة لدورهما في التفكير بدور جديد لتركيا في العالم وتحقيقه.

مثّل أوغلو موقف تركيا الداعم للفلسطينيين أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 (الجزيرة)

طراز فريد
ويعتبر المراقبون داود أوغلو طرازا فريدا من الساسة، حيث التزم بمبدأ الموافقة بين المبادئ الأخلاقية والإنسانية والحفاظ على المصالح الوطنية العليا.

وعلى هذا الأساس، كان له أثر بارز في توجهات تركيا المناصرة لقضايا شعوب المنطقة العربية والإسلامية، وكان آخرها انتصارها الواضح واصطفافها إلى جانب الشعب الفلسطيني بغزة في العدوان الذي شنته عليه إسرائيل صيف العام 2014.

يقول عنه الكاتب وأستاذ القانون الأميركي ريتشارد فالك "يعد الصعود السياسي لشخص آتٍ من خلفية أكاديمية ومنخرط في الحياة التعليمية بعمق كأستاذ جامعي أمرا غير مألوف بحد ذاته، إلا أن وصوله إلى هذه الدرجة من الأهمية في الدولة يعد أمرا غير مسبوق، ليس في تركيا فحسب بل في العالم".

ويضيف فالك "وإذا حاولنا البحث عن حالات مشابهة فإني لا أجد نظيرا سوى هنري كيسنجر، ورغم أن هذا الأخير لعب دورا محوريا كمهندس للسياسية الخارجية الأميركية في عصر كانت فيه الولايات المتحدة قوة عظمى، فإنه لم يتبوأ منصبا أعلى من وزير للخارجية".

ورغم النجاحات المتعددة التي حققها أوغلو في سياسة تركيا الخارجية، فإن هناك قدرا من الانتقادات وجهت له أيضا، منها توسعه المفرط الذي أدى إلى خلل في الحسابات في عدد من القضايا التي تدخلت فيها تركيا.

أما انخراط تركيا في عمليات تقودها الولايات المتحدة ولو ضمن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مثل المشاركة التركية العسكرية في أفغانستان، فقد كانت محل انتقاد المراقبين لعدم توافقها مع نهج أوغلو القائل بدمج المحافظة على المبادئ والمصالح في آن واحد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة