الصين تحيي الثقافة الشيوعية وتستغلها في الرواج السياحي   
الجمعة 1427/8/14 هـ - الموافق 8/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:12 (مكة المكرمة)، 21:12 (غرينتش)

تاريخ الثورة يمكن أيضا أن يتحول لمصدر جذب سياحي (الجزيرة)

عزت شحرور-بكين

عندما فجر ماوتسي تونغ ثورته الشيوعية قبل نصف قرن كان همه أن يسوق أفكاره الثورية وكتابه الأحمر إلى كل أنحاء العالم بأي ثمن. لكنه لم يكن يتوقع أن تتحول تلك الأفكار إلى مجرد سلع لمن يدفع وأن يتحول ذلك التاريخ إلى مجرد مواقع سياحية للتنزه.

لكن من يقول إن الصين لم تعد "حمراء" فبعد ثلاثين عاما على رحيل الزعيم الصيني لا تزال شخصية هذا الرجل تثير اهتمام الكثيرين من مؤيديه ومنتقديه على حد سواء.

فمنذ ثلاثة عقود خلت يتقاطر آلاف الزائرين من مختلف أرجاء الصين يوميا لإلقاء نظرة على جثمان ماو المحنط والمسجى بالعلم الصيني الأحمر داخل صندوق زجاجي في ميدان السلام السماوي (تيان آن مين).

ويصادف التاسع من سبتمبر/أيلول الجاري الذكرى الثلاثين لرحيل ماو.

وغير بعيد عن جثمان ماو هناك طوابير أخرى بالمئات تتزاحم منذ الصباح الباكر أمام أبواب أكبر مكتبات بكين للوقوف على ما خفي عنهم من أخبار وأسرار الزعيم.

الحفيدة سعت للتعريف بإنسانية الجد (الجزيرة)

كتاب الحفيدة
آخر الكتب عن ماو ألفته هذه المرة شخصية غير عادية بالنسبة للصينيين فتاة عصرية جميلة في مقتبل العمر.

عمرها بعدد سنوات رحيل الزعيم، لم تره لكنها ترى بأنها تتحمل مسؤولية تاريخية لإبراز جوانب لا تزال مجهولة من حياته. إنها حفيدته كون دونغ مي من ابنته لي مين.

دونغ مي هي الحفيدة الوحيدة الباقية على قيد الحياة بعد أن قضى معظم أبناء وبنات ماو. شبه كبير بين الجد والحفيدة حتى تلك الشامة الواضحة على أعلى الذقن والتي أكدت دونغ مي للجزيرة بأنها ليست مصطنعة ولا علاقة لها بهوس عمليات التجميل المنتشرة بين الفتيات الصينيات حاليا.

هذا التشابه لم يمنع ظهور اختلافات إلى حد التناقض بين الاثنين إذ يمكن التمييز بوضوح بين اللباس الأزرق الغامق الذي لبسه الجد وفرض لبسه على مليار نسمة وبين بنطال الجينز الذي ترتديه الحفيدة.

دونغ مي عاشت حياتها متخفية وتلقت تعليمها في الولايات المتحدة عدوة جدها اللدود ولم يكن يعلم بهويتها سوى السفير الصيني لدى واشنطن لي جاو شينغ في ذلك الحين والذي أصبح الآن وزيرا للخارجية.

لقاءها مع الجزيرة هو أول ظهور لها على وسيلة إعلام أجنبية، إنها بالطبع ليست عضوا في الحزب الشيوعي الذي أسسه جدها ومع هذا تدير شركة للترويج لما تسميه الثقافة الحمراء الجديدة.

همها أن يتعرف الناس على الجوانب الإنسانية من حياة زعيمهم الذي أحبوه أو كرهوه، مثل علاقته بجدتها وأمها وشاعريته وعناده وفرحه وبكائه فهو إنسان يحب ويكره يصيب ويخطئ قبل أن يكون زعيما كما تقول.

هذه الثقافة الجديدة تبدو جزءا من حمى تجتاح الصين بأسرها إذ قامت الحكومة مؤخرا بفتح مائة موقع من معاقل الثورة الصينية أمام ما أسمته "السياحة الحمراء".

جاء ذلك بهدف زيادة الوعي والتثقيف الجماهيري بتاريخ الثورة الصينية وربط الجيل الجديد من الشباب الصيني الذي تفتح وعيه على قوافل مطاعم الوجبات الجاهزة الأميركية ماكدونالدز وكنتاكي ومشروب كوكا كولا وهي تجتاح شوارع المدن الصينية.

هذه الخطوة لاقت رواجا وإقبالا شعبيا كبيرا وساهمت في تنمية تلك المناطق الفقيرة التي كانت تعاني من شح الموارد الاقتصادية وحرم أبناؤها من نعمة النمو الاقتصادي التي طالت معظم المدن الكبرى رغم أنهم كانوا وقود الثورة في ذلك الحين.

تذكارات تاريخ الثورة متاحة للسائحين (الجزيرة)

عائدات كبيرة
عدة مليارات من الدولارات الخضراء تدرها هذه السياحة الحمراء على خزائن الدولة رغم قصر مدة التجربة.

لكن البعض اعتبر الأمر دجاجة تبيض الذهب الأصفر فحولوا مواقع الثورة وتراثها إلى سلع ومواقعها إلى ما يشبه الكازينوهات.

بل وصل الأمر بمدير أحد الفنادق في إحدى بلدات مقاطعة سيتشوان غرب الصين إلى أبعد من ذلك، فقد جعل كل ملاهي الفندق وغرفه تطل على ساحة الشهداء.

لا حرج في ذلك ففي زمن اقتصاد السوق يصبح كل بيع مباح سواء كان ذلك من أسرار الجد أو من تراث الزعيم إنه باختصار ما تسميه الصين "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية".
_______________
مراسل الجزيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة