البطريركية المارونية والسياسة في لبنان   
الخميس 6/10/1428 هـ - الموافق 18/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:16 (مكة المكرمة)، 13:16 (غرينتش)

مقر البطريركية المارونية في بكركي (الجزيرة)

شفيق شقير

التاريخ الرسمي للموارنة يقول إنهم المسيحيون الذين تجمعوا حول كاهن متنسك يدعى مارون، عاش في جوار إنطاكية في أواخر القرن الرابع.

أما تأسيس الكنيسة المارونية فقد كان على يد مار يوحنا مارون، الذي انتخب أول بطريرك للكنيسة المارونية في النصف الثاني من القرن السابع نحو العام 686، وانتهى المسار التاريخي للكنيسة المارونية بأن أصبحت تابعة لسلطة البابا في روما.

"
يرى الموارنة أن بذرة لبنان المستقل كانت قد بذرت في عهد البطريرك إلياس الحويك الذي توجه عام 1919 مع وفد يضم مسلمين ومسيحيين إلى مؤتمر السلام الذي عقد في فرساي بفرنسا، وطلب الاستقلال عن سوريا
"
وتنسب الكنيسة لنفسها الفضل في تأسيس لبنان وأن الموارنة ولبنان الحديث توأم، ولا تزال هذه الفكرة تظلل النشاط السياسي الذي تقوم به الكنيسة وبطاركتها تحت عنوان رعاية وجود لبنان السياسي المستقل المتعدد الأديان، في ظل عالم عربي يحكمه المسلمون.

الكنيسة وولادة الكيان
ويرى الموارنة أن بذرة لبنان المستقل كانت قد بذرت في عهد البطريرك إلياس الحويك (1899-1931) الذي توجه عام 1919 مع وفد يضم مسلمين ومسيحيين من أنصار استقلال الكيان اللبناني، إلى مؤتمر السلام الذي عقد في فرساي بفرنسا، وطلب الاستقلال عن سوريا التي كان الانضمام إليها خيارا آخر لفريق لبناني ثان جله من المسلمين.

وكان الحويك حاضرا يوم أعلن الجنرال غورو المندوب السامي الفرنسي في سوريا دولة لبنان الكبير في بداية سبتمبر/ أيلول 1920، وشهد أيضا عام 1926 انتخاب أول رئيس للبنان شارل دباس الأرثوذكسي المذهب، واعترض عليه لأنه كان يرى أن منصب رئاسة الجمهورية هو من حق الطائفة المسيحية المارونية، وهو ما تكرس لاحقا حتى يومنا هذا.

وخلف الحويك على كرسي الكنيسة المارونية البطريرك أنطون عريضة (1932–1955) وقد استقل لبنان في عهده عن سوريا، وهو بهذا الاعتبار أول بطريرك في ظل الكيان اللبناني الوليد.

ومن أبرز ما عرف عن عريضة أنه اعترض عام 1944 على بعض ما جاء في بروتوكول الإسكندرية الذي كان يمهد لتأسيس الجامعة العربية، ورأى فيه توجها نحو "الوحدة التامة اقتصاديا وسياسيا" ما "يضيع حق لبنان في الاستقلال"، حسب اعتقاده.

المعوشي وصفير ودور أكبر
البطريرك الماروني صفير مجتمعا مع أقطاب المعارضة الموارنة (الجزيرة)
وبمجيء بولص المعوشي (1955–1975) إلى كرسي البطريركية أظهرت الكنيسة المارونية مواقف سياسية مباشرة إزاء بعض القضايا، حيث وقف المعوشي ضد الرئيس كميل شمعون الذي كان متخوفا من الإطار الوحدوي الذي جمع مصر وسوريا، حتى إن بعض مؤيدي شمعون أطلقوا عليه اسم "بطريرك المسلمين"، "ومحمد المعوشي" لتلاقي موقفه الإيجابي من الوحدة مع موقف المسلمين.

كما وقف المعوشي ضد اتفاق القاهرة عام 1969 الذي نظم الوجود الفلسطيني في لبنان، بسبب "البنود ‏العسكرية" التي تضمنها.

وتوفي المعوشي قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بشهرين، واختير أنطونيوس خريش (1975–1986) بطريركا جديدا للموارنة، وعايش الحرب من بدايتها ولم يلعب دورا سياسيا رئيسيا ما خلا بعض المحاولات لإصلاح الصف المسيحي الذي مزقته الحروب البينية، وفرقته الخيارات المتضاربة حول هوية لبنان ودوره في محيطه العربي، واستقال خريش من منصبه لتقدمه في السن قبل نهاية الحرب، وانتخب نصر الله صفير خلفا له (1986).

"
رغم التعديلات التي أدخلت على صلاحيات الرئيس، لا يزال موقع الرئاسة الأولى يحظى باهتمام الكنيسة المارونية لأنه يشكل مع الكنيسة إحدى السلطتين اللتين تمثلان المسيحيين في لبنان
"
وكثيرا ما شبه صحفيون ومهتمون البطريرك صفير بالبطريرك المعوشي بسبب تدخله المباشر في المسائل السياسية التي واجهت الطائفة المارونية، حيث أعطى موافقته على اتفاق الطائف (1989) الذي وضع حدا للحرب الأهلية وحسم هوية لبنان العربية وقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية (الماروني) التنفيذية.

كما دعا صفير إلى إنهاء الوجود السوري العسكري في لبنان ورعى عام 2001 فريقا مسيحيا معارضا للوجود السوري عرف باسم "قرنة شهوان"، ودخل على خط الأزمة التي قسمت اللبنانيين إلى فريقين بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

ورغم التعديلات التي أدخلت على صلاحيات الرئيس، لا يزال موقع الرئاسة الأولى يحظى باهتمام الكنيسة المارونية لأنه يشكل مع الكنيسة إحدى السلطتين اللتين تمثلان المسيحيين في لبنان، وأي خسارة في أحدهما ستشكل مفترقا صعبا في تاريخ الكنيسة المارونية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة