الثورة السورية تجمع فلسطينيين بعد فراق 67 عاما   
الاثنين 1435/6/7 هـ - الموافق 7/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:36 (مكة المكرمة)، 15:36 (غرينتش)
                                                                                    
 فادي جابر-غازي عنتاب/تركيا

ضاربا كفا بكف، يمشي جيئة وذهابا على غير هدى أمام بوابة للقادمين في مطار غازي عنتاب بتركيا (80 كلم شمال الحدود السورية)، أملاً في عناق تأجل لأكثر من 67 عاما. وفشل طول الدقائق التي قضاها أبو أحمد بانتظار أخته غير الشقيقة في المطار قادمة من حيفا بفلسطين، في إثنائه عن مزيد من الانتظار.

فأبو أحمد واحد من مئات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون بسوريا في تجمعات بمحافظات دمشق ودرعا وحمص وحلب واللاذقية.

دقائق قليلة قبل أن يفتح باب الطائرة لتخرج الحاجة مريم التي قارب عمرها المائة عام محمولة على كرسي متحرك يدفعه عامل بالمطار، ترافقها ابنتاها.

أبو أحمد بين أحفاده بعد لقاء الحاجة مريم(الجزيرة نت)

ولم تستطع مريم مصطفى الطباش (من مواليد حيفا عام 1918) إخفاء دموعها أثناء اللقاء المنتظر، وهي أم لعشرة بينهم أربعة ذكور، وهي ممن يطلق عليهم مسمى عرب الـ 48، وتحمل جواز السفر الإسرائيلي.

ركض وعناق
ركض أبو أحمد رغم سنوات عمره إلى المنطقة الممنوع دخولها وهبط باتجاه مريم وراح يحتضنها ويقبل رأسها، ثم يطلق ابتسامة أزاحت سبعة عقود من الحزن والحرمان.

وكان محمد محمود (مواليد 1942 بقرية شفا عمر الفلسطينية، وله أربعة أبناء وأربع بنات) قد تكرر لجوؤه مرتين: أولاهما أيام النكبة من فلسطين إلى سوريا مرورا بلبنان، والثانية خروجه من مخيم النيرب قرب مدينة حلب إلى مدينة كلس التركية (10 كلم شمال الحدود السورية) عام 2013 هربا من القصف والغارات التي تشنها قوات النظام السوري.

واكتفى أبو أحمد بوصف ما يجول في خاطره بعد لقاء أخته بالحمد والشكر لله على تكحيل عينيه برؤيتها قبل أن "يأخذ الله أمانته"، معلنا أن وعدا من مريم بلحاقه لم يتحقق خلال سنوات البعد التي تجاوزت الستين.

قدرات ذهنية
ومن بين الأطفال والنساء من أحفاد وأبناء محمد الذين كانوا يحيطون بمريم أمام المطار، حاولت مريم التعبير عن فرحتها بطبع الكثير من القبلات على وجوه الأطفال، محاولة التعرف عليهم من ملامحهم، حيث إنها ما زالت محتفظة بقدراتها الذهنية رغم بلوغها من العمر عتيا.

الحاجة مريم: الآن ارتاح قلبي (الجزيرة نت)

وتقول الحاجة مريم "لا يمكنني وصف سعادتي"، وتضيف وهي تحتضن الأطفال واحدا تلو الآخر "الآن ارتاح قلبي ولم أعد أكترث إن مت"، فيقاطعها أبو أحمد بقبلة على رأسها ويدها قبل أن يقول "بعد عمر طويل يا حاجة".

مسؤول ملف اللاجئين الفلسطينيين في الحكومة السورية المؤقتة المحامي أيمن أبو هاشم وصف القصة بأنها تكشف تراجيديا النكبات الفلسطينية التي تأسست على نكبة العام 1948، والتي تعددت فيها صور الاقتلاع وفاقت آلامها حدود الخيال البشري.

ويضيف أن المفارقة الغريبة في هذا اللقاء الذي جمع بين الأخت وأخيها بعد 67 عاماً من الفراق القسري، أن نكبة فلسطينيي سوريا التي ألقت بشقيقها وأولاده وأحفاده إلى الحدود التركية "كي يعايش مرارة اللجوء مرةً ثانية في خريف عمره"، أدت من غير حسبان ليكحل عينيه بلقاء شقيقته بعد كل هذا الزمن الطويل.

ويقول أبو هاشم للجزيرة نت إنهما يستعيدان سوياً ما قطعته أزمنة النكبات، في حين أن نجاتهما بإصرار "تؤكد وحدة العائلة الفلسطينية رغم قسوة المنافي".

المشهد الإنساني أثار انتباه المسافرين في المطار التركي، مما دفع بعضهم للسؤال عن القصة، لينبري مرافقون للحاج أبو أحمد بشرحها بما تيسر من لغة تركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة