الأديب المكسيكي باتشيكو.. رحل متعثرا بكتبه   
الأربعاء 1435/3/29 هـ - الموافق 29/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:59 (مكة المكرمة)، 11:59 (غرينتش)
باتشيكو أديب شامل كتب في الحقول الأدبية المختلفة كالشعر والرواية والقصة القصيرة (الأوروبية-أرشيف)
غدير أبوسنينة-مناغوا

كان قد انتهى من كتابة عموده الأسبوعي في صحيفة "بروسيسو" المكسيكية عن صديقه الشاعر الراحل خوان خيلمان قبل أن ينهض من مكانه ويتعثر بمجموعة من كتبه فيسقط على رأسه مساء الجمعة الماضي.

وقد أدخل خوسيه إميليو باتشيكو المستشفى على أثر تلك السقطة يوم السبت، لتعلن ابنته لاورا وفاته لوكالات الأنباء الأحد الماضي بقولها "رحل والدي بكل هدوء، رحل بسلام، مات وهو يكتب كما أراد دوما".

ولد باتشيكو في العاصمة المكسيكية عام 1939، وهو من الشخصيات المحورية في الشعر الإسباني في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين.

فهو أديب شامل كتب في الحقول الأدبية المختلفة كالشعر والرواية والقصة القصيرة والبحوث التاريخية والأدبية، كما عمل بالترجمة والصحافة، إضافة لكتابته سيناريوهات تمثيلية للمسرح والسينما.

تنحدر والدته من عائلة ميسورة سكنت في بيرا كروس، المدينة التي تطل على البحر، وبها استيقظ عشقه للبحر الذي ذكره كثيرا في أعماله. أما والده فقد وصل لرتبة جنرال في الجيش عام 1927 رغم حال أسرته المتواضعة.

أثناء دراسته الثانوية، بدأ القراءة لبورخيس وألفونسو رييس وأظهر اهتماما بالمسرح والفنون، ومع هذا بدأ بدراسة القانون في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، لكنه تركها لاحقا في سن التاسعة عشرة ودرس فقه اللغة.

ولطالما صرح بأنه لم يتلق تعليمه الحقيقي بين جدران الصفوف الدراسية، بل بفضل قراءاته المتنوعة وجولاته في شوارع مكسيكو سيتي.

عُرف باتشيكو في الأوساط الثقافية المكسيكية في سن العشرين عندما نشر عام 1958 قصة بعنوان "دم قناديل البحر"، وبعدها بخمس سنوات صدر ديوانه الأول "عناصر الليل".

قلق إزاء العالم
حاز باتشيكو احترام المكسيكيين وحبهم، فقد عُرف بدماثة خلقه وتواضعه إلى جانب شروده أغلب الوقت. ولربما انعكست شخصيته على أعماله التي يراها النقاد بسيطة في الظاهر لكنها عميقة ومعقدة بل ساخرة في أحيان أخرى.

لقد استخدم باتشيكو في تلك الأعمال اللغة اليومية واستغرق في ذكر التفاصيل المحلية مع اقترابه الدائم من العنصر الرئيسي في جل كتاباته وهو الإنسان.

أعمال باتشيكو حاكت تعقيدات المجتمع وأظهرت نقاط ضعفه (الأوروبية-أرشيف)

حاكت أعمال باتشيكو تعقيدات المجتمع وأظهرت نقاط ضعفه من وجهة نظر الكائن البشري الذي يصطدم بتناقضاته الذاتية وصراعه ضد زمنه وقدره ومصيره في عالم مزيف ليصل إلى نتيجة مفادها أن الحقيقة الوحيدة القائمة هي طبيعة زوال الأشياء.

تلوح أسئلة من قبيل: ماذا كنا نفعل طوال هذا الوقت؟ في أعمال باتشيكو بشكل دائم، وهو يبدي قلقه إزاء العالم، والزمن بالنسبة له عنصر جاذب وفي الوقت نفسه غير موجود.

ويرى باتشيكو أن الموت يسبق الحياة وأنه ليس جزءا مكملا لها، بل هو عملية تضع حدا لكل ما هو موجود.

وتمثل قصائد باتشيكو رحلة استكشاف لعالم يرى أنه محكوم بأمور لا منطقية، فيحاول إيجاد أجوبة عن تساؤلاته دون جدوى، منتقدا الزمن الذي يعيش به، ومحاولا فهم اللحظة الراهنة وتتابع الأيام، ولذا تتحول اللغة في شعره للغة عالمية، لما تحمله من أسئلة قلقة للإنسان أينما كان، رغم أنه يكتب بلغة توصف بأنها "عامية".

ففي عمله "استراحة النيران"، يعرض باتشيكو عالما مخربا يوحي بالنهاية، فالمطر -أو الماء- هو عنصر مطهر أما النار فتتغلغل في الليل وكلاهما عنصران يحفزان نشاط الكون. لكن هذا الكون ينتهي بنهاية تلك العناصر، وفي النهاية يتحول كل شيء لغبار، على حسب رأيه.

دمار السلطة
واعتقد باتشيكو أنه ليس بإمكان الشاعر أن يكون بعيدا عن الصراع، بل عليه -على الأقل- أن يشجب الظلم في أعماله، ولهذا تصدت أشعاره للديكتاتورية والهمجية.

لقد كانت السلطة محورا رئيسيا من روايته "الإمبراطور". السلطة ترتبط دوما بالدمار وفي النهاية يسمي الإمبراطور بـ"سيد الآثار"، فالقوى الشمولية لا تدمر ذاتها فحسب بل تدمر معها الآخرين.

من أعماله الشعرية: "لا تسلني كيف يمضي الوقت"، و"مدينة الذاكرة"، و"قرن منصرم". وفي حقل الرواية كتب: "معارك في الصحراء"، و"ستموت بعيدا"، و"مساء أغسطس" وغيرها.

وقد حصل على عدة جوائز أدبية رفيعة كجائزتي الملكة صوفيا للشعر وجائزة ثربانتس، وقد نعاه ملك وملكة إسبانيا اللذان كانا قد سلماه الجائزة رسميا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة