حلايب .. "بارومتر" العلاقات المصرية السودانية   
الخميس 1435/3/9 هـ - الموافق 9/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)

 منذ الأيام الأولى لتسلم الرئيس السوداني عمر البشير مقاليد السلطة في منتصف عام 1989، تحولت منطقة حلايب الحدودية إلى "بارومتر" للعلاقات بين القاهرة والخرطوم لقياس حجم المد والجزر بينهما.

ومثلث حلايب الخاضع إداريا -بحكم الأمر الواقع- للسيادة المصرية متنازع عليه بين القاهرة التي تؤكد أنه مصري 100%، والخرطوم التي تؤكد أيضا أنه سوداني 100%.

وما بين هذه النسب المطلقة يكمن ميراث التاريخ والاحتلال البريطاني، وحديث "الثروات الكامنة" في المثلث، فغاب معه حديث "السيادة الثنائية" و"الحل التكاملي" الذي كان رائجا فترة حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ليظل الأمر لغما موقوتا يزيد أزمات "المأزومين".

أطلت الأزمة برأسها مجددا في الأسبوع الأول من عام 2014 بين تصريحات سودانية تؤكد تبعية المنطقة بصورة كاملة للسودان، وأخرى مصرية تؤكد من جانبها التبعية الكاملة لمصر، وجاءت تلك التصريحات عقب فشل المباحثات الثلاثية التي استضافتها الخرطوم بشأن سد النهضة، وفي البال أيضا استياء الخرطوم من عدم التزام القاهرة باتفاقية "الحريات الأربع".

تقع منطقة مثلث حلايب على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر، وتبلغ مساحتها 20,580 كيلو مترا مربعا، وتوجد بها ثلاث بلدات كبرى، هي: حلايب وأبو رماد وشلاتين.
 
وأغلبية سكان المنطقة البالغ عددهم نحو 27 ألف نسمة من البجا، وينتمون لقبائل البشاريين المنتشرة من شلاتين شمالا وحتى ميناء بورتسودان وإلى حدود نهر عطبرة جنوبا، كذلك قبائل الحماداب، والشنيتراب والعبابدة، ويعد الرعي النشاط الأكثر شيوعا بينهم.

ويتميز مركز شلاتين بالثروة السمكية، وتتميز حلايب بخصوبة أراضيها التي تعتمد في ريها على كل من المياه الجوفية ومياه الأمطار، ويوجد بمدينة شلاتين خمس قرى، هي: أبو رماد، وحلايب
ورأس الحداربة ومرسى حميرة وأبرق (تسعون كيلو مترا غرب قرية مرسى حميرة).

توجد بالمنطقة محمية جبل علبة جنوب شرقي مثلث حلايب، وتعد من أكبر المحميات الطبيعية، كما توجد بالمنطقة آثار فرعونية، وعيون وآبار وثروات معدنية تشمل اليورانيوم والذهب والغرانيت والفوسفات والنحاس والفضة والبترول والمنغنيز والماغنسيوم والكروم والحديد.

ضم ترسيم الحدود بين مصر والسودان -التي حددتها اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا عام 1899- المناطق من دائرة عرض 22 شمال خط الاستواء لمصر، وعليها يقع مثلث حلايب داخل الحدود السياسية المصرية، وبعد ثلاثة أعوام في 1902 عاد الاحتلال البريطاني الذي كان يحكم البلدين آنذاك وجعل مثلث حلايب تابعا للإدارة السودانية، لأن المثلث أقرب للخرطوم منه للقاهرة.

عبد الناصر تراجع عن ضم حلايب
(الجزيرة-أرشيف)

تراجع
وظلت المنطقة تابعة للسودان منذ عام 1902 وفي العام 1958 رغبت القاهرة في استرجاع منطقة حلايب، والعودة مجدداً إلى التخطيط الأول لاتفاقية 1899 واعتماده خطا نهائياً للحدود بين السودان ومصر.

 وفي 18 فبراير/شباط عام 1958 قام الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر  بإرسال قوات إلى المنطقة، وكاد الخلاف الناشب بشأن حلايب أن يتحول إلى نزاع حدودي مسلح لو لم يغلّب عبدالناصر منطق التعايش وحسن الجوار على ما سواه، وبقيت منطقة حلايب خاضعة للسيادة المزدوجة.

لم تثر القضية أو الخلاف بشأنها فترة حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، حيث كان العنوان الأبرز في العلاقات الثنائية بين مصر والسودان هو "التكامل"، لكن النزاع ظهر إلى السطح مرة أخرى في عام 1992.

واعترضت مصر في ذلك العام على إعطاء حكومة السودان حقوق التنقيب عن البترول في المياه المقابلة لمثلث حلايب لشركة إنترناشيونال كوربوريشن الكندية من دون أي تشاور مسبق مع الحكومة المصرية، عملا بنصوص معاهدة 1902، فقامت الشركة بالانسحاب حتى يتم الفصل في مسألة السيادة على المنطقة.

أرسلت السودان في يوليو/تموز 1994 مذكرة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، تشتكي مصر لشنها تسعا وثلاثين غارة على الحدود السودانية.

 مبارك رفض التفاوض الأفريقي لحل الأزمة(الجزيرة-أرشيف)
تصعيد وعناد
وبعد ما تردد عن محاولة اغتياله الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في قمة أديس أبابا في يونيو/حزيران عام 1995 اتهمت الحكومة المصرية نظيرتها السودانية بالتخطيط لعملية الاغتيال، رفض مبارك مشاركة الحكومة المصرية في مفاوضات وزراء خارجية منظمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا لحل النزاع الحدودي.

وفي عام 2000 قام مبارك بمحاصرة وطرد القوات السودانية من حلايب وفرضت القوات المصرية سيطرتها على المنطقة منذ ذلك الحين.

وفي عام 2004 أعلنت الحكومة السودانية أنها لم تتخلَ عن إدارة المنطقة المتنازع عليها ولم تهجرها أو تسلمها للمصريين، وأكدت تقديم مذكرة بسحب القوات المصرية إلى الأمم المتحدة. وقام مؤتمر البجا في ولاية البحر الأحمر في السودان بتوقيع مذكرة لاسترجاع إدارة المنطقة للسودان.

في عام 2010 تم اعتماد حلايب كدائرة انتخابية سودانية تابعة لولاية البحر الأحمر، وأقرت المفوضية القومية للانتخابات السودانية حق التصويت في الانتخابات السودانية لأهالي حلايب باعتبارهم مواطنين سودانيين، إلا أن سكان المنطقة من البشاريين انتقدوا تقاعس الحكومة المركزية في إتمام العملية.

في عام 2010 اعتقل السيد الطاهر محمد هساي رئيس مجلس حلايب المنتمي إلى قبيلة البشاريين لمناهضته الوجود المصري في حلايب، وتوفي في مستشفى بالقاهرة إثر الاعتقال لمدة عامين من دون محاكمة.

أجريت الانتخابات البرلمانية المصرية لعام 2011 في نوفمبر، وشملت مثلث حلايب ونقلت صناديق الانتخاب إلى الغردقة بطائرة مروحية عسكرية مصرية لفرز الأصوات هناك.

 الإشاعات عن تنازل مصر عن حلايب أعقبت زيارة مرسي للسودان 
(الفرنسية-أرشيف)
زيارة وإشاعة 
زار الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي السودان في أبريل/نيسان عام 2013، وجددت هذه الزيارة الجدل حول مثلث حلايب، حيث أفاد موسى محمد أحمد مساعد الرئيس السوداني عمر البشير بأن مرسي وعد بإعادة مثلث حلايب إلى وضع ما قبل 1995.

 فيما نفى المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية في القاهرة السفير إيهاب فهمي ذلك، ووصف تلك الأنباء بأنها "إشاعة لا ترتكز على معلومات سليمة".

في أواخر شهر أبريل/نيسان 2013 زار رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق صدقي صبحي السودان، وأوصل رسالة بلهجة حاسمة للمسؤولين السودانيين تؤكد أن حلايب وشلاتين  أرض مصرية خالصة، ولا تفريط فيها.

وتشي خبرة تلك السنين بأن أيا من القيادة السياسية في البلدين لا تجرؤ على إعلان تخليها عن المنطقة، مما يعني استمرار الأزمة وغياب الحل، والمطروح هو اللجوء إلى التحكيم الدولي أو إجراء استفتاء لسكان المنطقة، لتحديد رغبتهم في الانضمام إلى أي من الدولتين.

والأجدى للبلدين التخلي عن العناد، والاجتهاد في التوصل إلى حل توافقي مرضٍ انطلاقا من المصالح المشتركة بعيدا عن شبهة التعالي أو فرض الأمر الواقع لتنمية المنطقة، والاستثمار في ثرواتها البشرية والطبيعية بما يعود بالنفع لتصبح جسرا للتقارب بدلا من بؤرة للصراع، وهذا يتطلب إرادة سياسية تنطلق من حس وطني يرنو إلى مستقبل أفضل، لكن الواقع في القاهرة والخرطوم يشي بغير ذلك، خصوصا مع "إدمان" البعض العيش في أجواء الأزمات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة