الهمامي: ثورة تونس لم تستكمل أهدافها   
الثلاثاء 22/2/1433 هـ - الموافق 17/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 22:03 (مكة المكرمة)، 19:03 (غرينتش)

الأمين العام لحزب العمال الشيوعي التونسي حمة الهمامي

حاورته بتونس إيمان مهذب
قال الأمين العام لحزب العمال الشيوعي التونسي حمة الهمامي إن الثورة التونسية لم تحقق أهدافها، مشيرا إلى وجود عدد من المظاهر التي تهدد مسار الثورة  بالالتفاف عليها، وهو ما يفسر تواصل التعبئة على مستوى شعبي من أجل الذهاب بهذه الثورة لغاية تحقيق أهدافها.

واعتبر الهمامي -في حوار أجرته معه الجزيرة نت- أن الأوضاع لم تتغير، وليست هناك مؤشرات جدية على أنها ستتغير حتى بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، ناصحا الحكومة بالتفكير جديا في إيجاد حل للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد.

وأوضح أن حزبه بصدد النقاش مع قوى يسارية اشتراكية وقومية لبحث سبل تشكيل تحالف حزبي. وفيما يلي نص الحوار:

بعد مرور عام على رحيل الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، هل استكملت الثورة التونسية أهدافها؟

حمة الهمامي: الثورة التونسية لم تستكمل بعد أهدافها، فقد تمكنت من إسقاط زين العابدين بن علي، وتمكن الشعب التونسي من نيل حريته، ومن فرض بعض الإصلاحات، ولكن مهمات أساسية من مهمات الثورة لم تنجز بعد.

فالحرية ذاتها لم تثبت إلى حد الآن في الدستور والقوانين، كما أن الديمقراطية كذلك لم تتحول إلى واقع من خلال الدستور والمؤسسات، والأهم من كل ذلك هو أن القاعدة الاقتصادية للدكتاتورية لم تمس إلى حد الآن، والشعب التونسي لم يحقق طموحاته الاقتصادية والاجتماعية، بل العكس من ذلك، إذ ساءت الحالة الاجتماعية للشعب من خلال تفاقم البطالة، وتدهور المقدرة الشرائية والتهميش، وكذلك اختلال التوازن بين الجهات، وتردي الخدمات الاجتماعية.

الثورة التونسية لم تستكمل بعد أهدافها، فقد تمكنت من إسقاط زين العابدين وتمكن الشعب التونسي من نيل حريته، ومن فرض بعض الإصلاحات، ولكن مهمات أساسية من مهمات الثورة لم تنجز
من ناحية أخرى، ما زال وضع البلاد على مستوى السياسة الخارجية ثابتا، فالحكومات المتعاقبة منذ سقوط بن علي لم تغير السياسة الخارجية، بل مضت في السياسة ذاتها القائمة على التبعية للدول الرأسمالية الغربية، وبعبارة أخرى، فإن الثورة لم تكتمل وما زال علينا أن نواصل الثورة من أجل القطع بشكل فعلي مع نظام الاستبداد على كل المستويات حتى نحقق مطالب الشعب التونسي.

والمشكل في هذا المستوى أن الأوضاع لم تتغير، وليست هناك مؤشرات جدية على أنها ستتغير حتى بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، فالبرامج الاقتصادية والاجتماعية للائتلاف الثلاثي بزعامة حركة النهضة لا يختلف في الجوهر عن السياسة الاقتصادية التي كان يترأسها بن علي، كما أن خطاب الوزير الأول حمادي الجبالي وقانون المالية هما نسختان مما كان يقوله بن علي في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

وكل هذه المظاهر تهدد مسار الثورة بالتفاف عليها، وهو ما يفسر تواصل التعبئة على مستوى شعبي من أجل الذهاب بهذه الثورة إلى غاية تحقيق أهدافها.

البعض يرى أن أحزاب المعارضة لم تعط فرصة للحكومة لكي تعمل، ولتثبت مدى قدرتها على تسيير البلاد، فما رأيك؟

حمة الهمامي: أعتقد أنه لابد من أن نتخلص من هذه العقلية، فبعض الأطراف -بما فيها الائتلاف- لم يتخلص حتى من الخطاب الذي استخدم في عهد بن علي، والذي يردد دائما "لا تعارضني، انتظر، أعطني فرصة"، لقد قدم الائتلاف الحاكم برنامجا، وهو ما يعطينا فكرة عما تريد هذه الحكومة القيام به، وما تم إلى حد الآن يعطينا مؤشرات حول برنامج هذه الحكومة وتوجهاتها.

فهل ننتظر إلى أن تثبت هذه الحكومة خياراتها التي لا تتماشى مع خيارات الثورة والتي يمكن أن تجهضها حتى يحق لنا أن نتكلم؟

لابد أن يتعلم أعضاء هذه الحكومة أساليب العمل الديمقراطي، وأن يتحلوا بعقلية ديمقراطية تقبل أن يجادلهم معارضوهم الذين لا يتفقون معهم، بل يجب أيضا أن يتم التخلي عن عقلية التعالي في التعامل مع الأقلية التي حظيت بمقاعد قليلة في المجلس الوطني التأسيسي، فأقلية اليوم يمكن أن تصبح أغلبية الغد، وعلى الائتلاف أن يتعلم العمل في إطار النقد والمعارضة.

إذن كيف يمكن للمعارضة أو للأقلية أن تؤثر على اختيارات الحكومة وتوجهاتها؟  

حمة الهمامي: أعتقد أن الذي سيصحح هذا المسار ليس الأقلية في المجلس التأسيسي، وإنما هو الحراك الشعبي، ونحن الآن ما زلنا نعيش في مرحلة ثورية، وقطاعات واسعة من الشعب التونسي ما زالت تصر على الدفاع عن حرياتها وحقوقها، لذلك فبالنسبة إلينا نحن نعتقد أن المجلس التأسيسي لا يمثل إلا واجهة من واجهات الصراع، أما الواجهة الأساسية فستظل هي الواجهة الشعبية التي ستبقى محددة وحاسمة في تقرير مصير الثورة.

وسيبقى للشعب وللمجتمع المدني الدور الكبير في تحديد مسار الثورة في تونس.

ذكرتم أن الشعب هو الذي سيتمكن من تحديد مسار الثورة، لكن البعض يعتبر أن القوى غير الفائزة في الانتخابات تعمل على استخدام الشعب للضغط على الحكومة وعلى تأجيج المطالب الاجتماعية، ما رأيكم؟ 

حمة الهمامي:
أداء الحكومة سلبي إلى حد الآن على عدة مستويات منها المستوى السياسي ومستوى الحريات، من ذلك التعيينات الأخيرة التي قام بها حمادي الجبالي على رأس عدد من المؤسسات الإعلامية التي تم الاكتفاء فيها بإبعاد جماعة الحكومة السابقة وتعويضها بعدد من الموالين للنظام السابق
هذا أكبر دليل على أن الائتلاف الحاكم بعيد عن الواقع، وهو دليل أيضا على أن الائتلاف الحاكم عوض أن يحل المشاكل يبحث عن ذرائع، وعن عدو وعن خصم ليتهمه بمعارضته أو بتأجيج الأوضاع.

الاعتصامات التي تشهدها البلاد ليس وراءها الاتحاد العام التونسي للشغل ولا أي حزب من الأحزاب، وهذا أمر مؤكد، ولو كان حزب العمال المتهم بتأجيج هذه الاعتصامات وراء ذلك لما تم اعتباره من الأقلية الخاسرة.

ونرى أن هذه الاعتصامات والاحتجاجات عفوية، وأسبابها تعود إلى تراكم المشاكل على مدى أكثر من عشرين سنة، من ذلك البطالة والتهميش والفقر والمرض والبؤس والفوارق الاجتماعية، والشعب كان يعتقد أن هذه الثورة ستغير الحال لكن التغير لم يحصل والأوضاع لم تتغير، بل زادت سوء.



وأنا أنصح الحكومة بأنها عوض البحث عن متهم عليها أن تفكر جديا في إيجاد حل لهذه المشاكل، وأن تلجأ إلى الحوار.

أي دور للمعارضة داخل المجلس التأسيسي، خاصة أن تونس تستعد قريبا لكتابة الدستور؟

حمة الهمامي: أعتقد أن الأمر سيتغير عند صياغة الدستور، فتصريحات قادة التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، أو المؤتمر من أجل الجمهورية، تشير إلى إمكانية أن يذهب كل طرف من أطراف الائتلاف الثلاثي مذهبه الخاص عند صياغة الدستور.

وهو ما سيؤدي في رأينا إلى تشكيل أغلبيات جديدة عند مناقشة كل فصل من فصول الدستور.

وما هي رؤيتكم ليحظى الدستور بالشرعية؟

حمة الهمامي: حتى يحظى الدستور بالشرعية عليه أن يعكس أولا تطلعات الثورة، وعليه أن يكون توافقيا أكثر ما يمكن، وفي رأينا يجب عرضه بعد صياغته على استفتاء شعبي، خصوصا أننا نعلم أن الأغلبية الحالية لا تمثل سوى نسبة تقل عن 30% داخل المجلس الوطني التأسيسي.

كيف يمكن لكم أن تقوّموا أداء الحكومة الحالية؟

حمة الهمامي: أرى أن أداء الحكومة سلبي إلى حد الآن، على عدة مستويات منها المستوى السياسي ومستوى الحريات، ومن ذلك التعيينات الأخيرة التي قام بها حمادي الجبالي على رأس عدد من المؤسسات الإعلامية، والتي تم الاكتفاء فيها بإبعاد جماعة الحكومة السابقة، وتعويضها بعدد من الموالين للنظام السابق، فضلا عن كون القانون المنظم للسلطات العمومية أو "الدستور الصغير" لا يبشر بخير، بل عوض سلطة رئيس الدولة بسلطة رئيس الحكومة.

وأيضا من خلال الدور غير الرسمي الذي يقوم به رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي يتصرف وكأنه هو صاحب السلطة في تونس، وهذا أمر خطير وينبغي التصدي له، وهو مؤشر على بدايات الخلط بين السلطة والدولة.

أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فلم تقدم حكومة الجبالي خطوة واحدة من أجل حل مشاكل الشعب، ولم تقدم إشارات تؤكد عزمها على تغيير توجهات العهد البائد التي أوصلت البلاد إلى عدة مشاكل، وما ظهر إلى حد الآن يشير إلى أن هذه الحكومة تحمل بالأساس بصمة النهضة ولم تفكر في مصلحة غالبية الشعب.

هل لكم أن تفسروا ذلك؟

حمة الهمامي: كان على الحكومة أن تبادر باتخاذ إجراءات ملموسة للحد من غلاء الأسعار، وإقرار منحة لفائدة العاطلين والطلبة، واتخاذ إجراءات لصالح المناطق الفقيرة والمهمشة.
بل على العكس من ذلك قامت الحكومة بطمأنة رأس المال الأجنبي على مصالحه، ودعت الشعب المدمر والمفقر إلى الانتظار.

كيف ترون التعيينات الأخيرة التي تمت على رأس عدد من المؤسسات الإعلامية، والتغييرات التي حصلت في بعض أجهزة وزارة الداخلية؟

حمة الهمامي: التغييرات التي طرأت على بعض المؤسسات الإعلامية أو الأجهزة الأمنية لا علاقة لها بما طالب به الشعب في ثورته من إصلاح جوهري للأجهزة والمؤسسات القائمة، بل هو محاولة لبسط سلطة حركة النهضة أساسا على أجهزة الدولة.

ففي المجال الإعلامي، وفي الوقت الذي انتظر فيه البعض فتحا للملفات وتطهيرا للقطاع، تم تعيين بعض رموز النظام السابق، أما في الجهاز الأمني وفيما راجت أخبار عن إقالة رئيس وحدات التدخل المتهم بارتكاب أعمال قتل خلال الثورة، اتضح أن الأمر لم يكن سوى حركة إحالة لمهام أخرى. وهو مؤشر لعدم الجدية في إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية على أساس عقيدة أمنية جديدة في خدمة الشعب.

بعد فوز الحركات الإسلامية في كل من تونس ومصر والمغرب، أي دور لليسار اليوم؟

حمة الهمامي:
فوز الحركات الإسلامية في عدة بلدان عربية يمثل محاولة مدروسة إلى حد ما لتحديد قيادات التحالفات في هذه الأقطار، وهو تجديد على غرار ما حدث في تركيا مدعوم من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى لتجاوز فشل القيادات السابقة
فوز الحركات الإسلامية في عدة بلدان عربية يمثل محاولة مدروسة إلى حد ما لتحديد قيادات التحالفات في هذه الأقطار، وهو تجديد على غرار ما حدث في تركيا مدعوم من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى لتجاوز فشل القيادات السابقة.

لكن ما نلاحظه هو أن الحركات الإسلامية الفائزة ستدافع في نهاية الأمر عن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية السابقة للرأسمالية والليبرالية التابعة للغرب.  

لكننا نعتبر أن اليسار بصدد استعادة أنفاسه عالميا بسبب الأزمة الخانقة للرأسمالية، فاليسار لا يمكن أن ينتهي دوره إطلاقا طالما أن الرأسمالية موجودة.

هل فكر حزبكم في العمل على استرجاع مكانته؟

حمة الهمامي: حزب العمال الشيوعي كافح لسنوات ضد الدكتاتورية في تونس ومن مواقع أمامية، والنتائج التي حصلنا عليها في الانتخابات لا تعكس قيمة الحزب في الواقع، ونحن اليوم بصدد إعادة تنظيم صفوفنا حتى نكون في المستقبل أكثر استعدادا للمعارك الانتخابية، دون أن نتخلى عن دورنا الميداني.

إذن يمكن أن نتوقع أن يتحالف حزبكم مع أحزاب أخرى قريبة لتوجهكم، على غرار قامت به أحزاب أخرى؟

حمة الهمامي: أحد الدروس التي جاءت بها الانتخابات هو سلبية تشتت القوى، لذلك نرى الآن إعادة تشكل للمشهد السياسي عبر الاندماج الحزبي، ونحن بصدد النقاش مع قوى يسارية اشتراكية وقومية في سبل تشكيل تحالف حزبي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة