البحث عن "ملكة الجمال" بمقابر مصر   
الجمعة 1436/10/15 هـ - الموافق 31/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:41 (مكة المكرمة)، 17:41 (غرينتش)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

"ببساطة.. ليوفروا لنا حدا أدنى من الحياة الكريمة يساعدنا على أن نتعلم، قبل أن يبحثوا بيننا عن ملكة جمال البساطة".

بعد رفض متكرر للحديث، خرجت هذه الكلمات بتلقائية من إحدى الفتيات اللاتي يسكنّ في مقابر القاهرة، تعليقا على مسابقة دشنها نشطاء مصريون تحت اسم "ملكة جمال البساطة".

وقال الحسين حسان مؤسس حملة "من يحب مصر" التي نظمت المسابقة، إنها تستهدف الفتيات من سكان المقابر "لتسليط الضوء على معيشتهن واحتياجاتهن".

وأوضح حسان في تصريحات صحفية أن معايير اختيار الفائزة في المسابقة "تعتمد على علمها وثقافتها"، مشيرا إلى أن الحملة تسعى لمشاركة ألف فتاة، وأنه سيتم تقديم "جوائز قيمة" لأفضل خمسين متسابقة، كما سيتم الإعلان عن الحاصلة على اللقب مطلع سبتمبر/أيلول القادم.

وخلال زيارة ميدانية قام بها مراسل الجزيرة نت لإحدى مناطق المقابر والتي تقع في مصر القديمة بجوار مسجدي السيدة عائشة والسيدة نفيسة، وتحتضن إلى جوار الموتى عائلات من بسطاء المصريين، أحجمت أغلب الفتيات فيها عن التجاوب في الحديث عن المسابقة أو التقاط صور لهن، بينما تجاوبت أخريات بالحديث بحذر.

المقابر تحتضن إلى جوار الموتى
عائلات من بسطاء المصريين (الجزيرة نت)

الحياة الكريمة أولى
سميرة سعد (23 عاما) إحدى ساكنات المقابر قالت "كل فترة تأتي مجموعة ومعها كاميرات التلفزيون ويصورون وهم يقدمون بعض الخدمات، مع وعود باستمرارها ثم يغادرون دون عودة".

وأشارت سميرة للجزيرة نت إلى أن حملة "من يحب مصر" نظمت قافلة طبية تم تصويرها، إلا أنها -وأغلب فتيات المقابر- نفين علمهن بتنظيم مسابقة تستهدفهن.

من جهتها قالت أميرة محمد (26 عاما) "إذا كانوا يتحدثون عن البساطة، فببساطة حل مشاكلنا هي أن يوفروا لنا الحد الأدنى من الحياة الكريمة التي تساعدنا على أن نتعلم، قبل أن يبحثوا عن ملكة جمال البساطة التي يتحدثون عنها".

شوقية رضا (20 عاما) بدورها اعتبرت أن هذه الفعاليات تقوم في الأساس على "استغلال معاناتهم سياسيا"، بينما أبدت فتاة أخرى -رفضت ذكر اسمها- استعدادها للمشاركة في المسابقة، مؤكدة أن "بين فتيات المقابر من هن أجمل وأذكى من غيرهن".

سحر طلعت: من الأفضل دعم الأنشطة التعاونية والفعل الإيجابي التعاوني (الجزيرة نت)

تجميل الواقع المر
المستشارة الاجتماعية سحر طلعت ترى أن "النشاطات التنافسية لا تصب في صالح فئات المجتمع المختلفة".

وأضافت في حديث للجزيرة نت أن "كل شخص لديه ما يميزه عن الآخر، وتركيز التنافس في مساحة واحدة فيه ظلم، فما بالك إذا كان التنافس بين أفراد فئة تعيش هذه الظروف الصعبة".

ورأت سحر أنه "من الأفضل دعم الأنشطة التعاونية والفعل الإيجابي التعاوني"، مضيفة أن "هذه المجتمعات الفقيرة والمهمشة لديها مشكلات اجتماعية وإحساس عال بالدونية والنقص، وإبراز نماذج معينة يضاعف هذا الإحساس".

من جهتها رأت الناشطة والباحثة الاجتماعية صفاء صلاح في المسابقة وطريقة إعلانها "حالة من الاستعلاء"، وقالت "قبل أن تبحثوا عن واقعهم العلمي والثقافي، أشعروهم في البداية بآدميتهم، ووفروا لهم حقوقهم الأساسية في الحياة".

واعتبرت في حديثها للجزيرة نت أن مثل هذه الفعاليات هي بمثابة "عمليات تجميل للواقع والنظام القائم"، مطالبة بالبحث عن أساس المشكلة والعمل على حالها، وهو ما ترى أن "الأنظمة المتعاقبة تتهرب منه".

وأضافت صفاء أن "هذه المؤسسات الأهلية تقدم نفسها على أنها تسعى لحل مشكلات هذه الشريحة من المجتمع، فإذا كانت صادقة في ذلك فلا بد أن تسعى ابتداء لتوفير مأوى مناسب ومصدر رزق لتلك الأسر، ثم تبحث عن مستواهم الثقافي والعلمي".

غير أن المحلل السياسي محمد جمال عرفة رأى في المسابقة "مبادرة إيجابية هدفها لفت الأنظار إلى مشكلة سكان المقابر الذين تزايدت أعدادهم خلال الفترة الماضية".

وتابع عرفة في حديث للجزيرة نت "ليس بالضرورة أن يكون هدف القائمين على المسابقة الإلهاء والاستعراض الإعلامي"، إلا أنه اعتبر أن "المشكلة تكمن في استغلال وسائل الإعلام للمسابقة في إلهاء المصريين، وتناولها بشكل ترفيهي لا يُعلي الهدف أو المأساة التي يعيشها سكان المقابر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة