جائزة البوكر العربية.. المنجز والرهانات   
الجمعة 1434/2/21 هـ - الموافق 4/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:51 (مكة المكرمة)، 10:51 (غرينتش)
جانب من ندوة "البوكر.. المنجز والرهانات" بالعاصمة التونسية (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
تحضيرا لحفل الإعلان عن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية يوم 9 يناير/كانون الثاني بتونس، عقدت ندوة أدبية بالعاصمة التونسية للتعريف بالجائزة وإنجازاتها ورهاناتها حضرها عدد من المبدعين والناشرين التونسيين، وقدمت فيها قراءات في بعض الروايات المرشحة ضمن القائمة الطويلة.
 
وتناولت الندوة مرجعيات الجائزة وظروف انطلاقتها ومنجزها ودورها في التعريف بالأدب العربي والثقافة العربية في الخارج من خلال ترجمة الروايات المتوجة، كما تطرقت المداخلات إلى خصوصية هذه الجائزة التي تنهض خلافا للجوائز الأخرى كمشروع متكامل في متابعة تجربة المتوجين بعد الإعلان عن الرواية الفائزة.
 
وأكدت المداخلات على أن ورشات الكتابة التي تنظمها الجائزة من شأنها أن تكتشف أصواتا عربية جديدة تحمل مشعل الرواية العربية، وقد أثبتت تلك الورشات بعد ثلاث دورات فعاليتها بوصول عدد من المشاركين فيها إلى القائمتين الطويلة والقصيرة، ومنهم السعودي محمد حسن علوان.

واهتم الشاعر والمترجم والناقد آدم فتحي بتجربة كل من ربيع جابر وإبراهيم عيسى من خلال روايتيهما "طيور الهوليداي إن" و"مولانا"، وقدم الدكتور العادل خضر محاضرة بعنوان "الرّواية والسياسي في روايتي "قناديل ملك الجليل" لإبراهيم نصرالله و"حدائق الرّئيس" لمحسن الرّملي.

الشاعر والناقد آدم فتحي (يمين) يقدم رواية مولانا لإبراهيم عيسى في الندوة (الجزيرة)

رواية حداثية ساخرة
وأكد آدم فتحي في مداخلته أن رواية "مولانا" تستمد طرافتها من "شخصيّتها الرئيسيّة الشيخ حاتم الشناوي -أو مولانا- خرّيج الأزهر الذي بدأ واعظا بأحد المساجد ثمّ أصبح نجما تلفزيونيّا يوزّع الفتاوى على طريقة الشيوخ نجوم فضائيّات الإفتاء".

ورأى فتحي أن الروائي من خلال هذه الشخصيّة يصوّر مصر في الثلاثين سنة الماضية "بما شهدته من استبداد وفساد طال المنظومة السياسيّة والإعلاميّة والدينيّة والاجتماعيّة، وبما واجهته من ظواهر، بداية من أعباء الطغيان والقهر، مرورا بمسألة الأقباط ومسألة التنصير والتوظيف الدينيّ، وصولا إلى واقع الفقر والجهل والتهميش وانهيار القيم".

ورصد المحاضر البعد المعرفي للرواية، الذي بدا له أنه يغلب على ما يقارب نصفها الأوّل، حيث "حضر فيه التراث والفقه وعلماء الكلام ورواة الحديث النبوي، وهو حضور مرّ بسلاسة لأنّ طبيعة الشخصيّة الرئيسيّة جعلت هذه المعارف جزءًا من الحكاية، ولم تكن عبئا ثقيلا على السرد، أو مقحمة على البناء الروائيّ".

ثم تطرق آدم فتحي إلى الحبكة الروائية من خلال التغيير الذي حدث في القسم الثاني الذي أخذ لبوس الرواية البوليسي أو روايات التجسس، مستعينا بحبكتها وشعرية هذا النوع من الروايات. وشدد على الأسلوب الساخر للرواية مشيرا إلى أعمال الروائي السابقة وعلاقة ذلك الأسلوب بأسلوبه الصحفي الذي عرف به، وقد انعكست السخرية في طبيعة اللغة التي استعملها الكاتب كما الأسلوب.

ويضيف أنّ الكاتب نجح بشكل كبير في بناء الشخصيّة الرئيسة "مولانا"، "بحرفيّة روائيّة وبكثافة سيكولوجيّة عالية، بعيدا عن القوالب الجاهزة والأهجيات".

غلاف رواية "طيور الهوليداي إن" لربيع جابر المرشحة في القائمة الطويلة للبوكر (الجزيرة)

رواية إنسانية
أما بخصوص "طيورالهوليداي إن" فقد وصفها آدم فتحي بالرواية النهر، واعتبر أن حكايتها كما شخصيتها الأساسية هي الحرب الأهلية.

وذكر فتحي أن الرواية تؤرّخ للحرب الأهليّة اللبنانيّة من خلال سيرة عمارة المبرومة "إلاّ أنّ الكاتب لا يتعامل مع هذه الطوابق بشكل عامودي، بل يسمح لنفسه بالتحرّك في كلّ الاتّجاهات حسب المصائر والعلاقات والأحداث، وقد يعود زمنيّا إلى أكثر من عشرين سنة قبل أن يستعيد لحظة السرد الراهنة، وكأننا أمام خط لولبي يشبه نظريّة التاريخ لدى أرنولد توينبي، الذي يقول بأنّ التاريخ على شكل الدوائر غير المغلقة التي تتقدّم مثل اللولب".

وتقدم -وفقا للمحاضر- "بشاعة الحرب بكلّ ما تعنيه من فقدان وحرمان وتفجير وتدمير وبطش وتعذيب وقتل على الهويّة وعبثيّة لا حدّ لها، لكن من زاوية نظر غير تلك التي ينطلق منها المصوّر الحربيّ، بل في اتجاه دواخل الإنسان، الذي يمارس فيها دور الضحية والجلاد في الوقت نفسه".

وهذا ما يختلف به الروائي عن المؤرخ في تعامله مع الحدث التاريخي حسب آدم فتحي الذي توقف أيضا عند "اللغة الشرسة" التي استعملها ربيع جابر في روايته الجديدة وعين المصور الفتوغرافي المحترف وعدسة السينمائي وريشة الرسام.

ولعل ما لفت انتباه الشاعر والناقد التونسي أكثر هو العناية الكبيرة بالتجريب في هذه الرواية بالذات "من خلال تغييب الحبكة الروائيّة المعتادة لفائدة نصّ منفلت، مراوغ، مفتوح ومتعدّد المداخل، يمكن ولوجه من أيّ فصل، والأصحّ أن أقول من أيّ طابق، ومن خلال الاعتماد الكبير على إكسسوارات أخرى، مثل الريبورتاج والوثيقة الصحفيّة، وغيرها من لوازم تغطية الحرب".

ولكن التجريب الفني وفقا لفتحي "لم يغفل عن الأساسيّ والجوهريّ في الأعمال الروائيّة الكبيرة: الإنسان في مواجهته اليوميّة لشرط وجوده، وفي اصطدامه بمعوّقات هذا الوجود وبما هو غير إنسانيّ فيه. من ثمّ ثراء الرواية ونفاذها إلى أعماق المحنة الإنسانيّة عبر شخصيّات مثل "سعيد عازار"، الذي كان لا بدّ من أن يكون متخلّفا ذهنيّا كي يمكنه الاقتراب من إمكانيّة ممارسة البشر للقتل بدم بارد. وكيف يمكن الاقتراب من فهم جنون الحرب إن لم نستعمل مفتاح الجنون؟".

"قناديل ملك الجليل" رواية إبراهيم نصر الله المرشحة ضمن القائمة الطويلة للبوكر (الجزيرة)

الملحمي والتراجيدي
وفي الندوة قدم الدكتور العادل خضر محاضرة بعنوان "الرّواية والسّياسيّ في روايتي "قناديل ملك الجليل" لإبراهيم نصر الله و"حدائق الرّئيس" لمحسن الرّملي".

وتوقف فيها عند العلاقة العضوية بين السياسي والروائي في المدونة الروائية العربية، قبل أن يفصل الكلام عن الرّواية بما هي شكل سياسي للملحمة العربية مع قناديل ملك الجليل لإبراهيم نصر الله، وبما هي شكل سياسيّ للتّراجيديا العربيّة مع "حدائق الرّئيس" لمحسن الرّملي، وقد اتخذت المداخلة طابعا أكاديميا يقارب الروايتين بالرجوع إلى مفهوم التراجيدي عند الإغريق.

وقال الخضر في مداخلته "إذا كانت رواية الفلسطينيّ إبراهيم نصر الله قد اتّخذت الشكل الملحميّ لإعادة كتابة تاريخ فلسطين السّياسيّ في الأزمنة الحديثة، من خلال متابعة سيرة ظاهر العمر الزّيداني (بطل الرّواية)، فإنّ رواية العراقي محسن الرّملي قد اتّخذت الشكل التراجيدي لكتابة تاريخ العراق السياسي طوال نصف قرن".

ويتتبع الرملي في "حدائق الرئيس" "سيرة ثلاث شخصيات متلازمة هي عبد الله كافكا، وطارق المندهش، وإبراهيم قسمة، وذلك على مدى 28 فصلا يتقاطع فيها العائلي والسياسي على نحو عنيف لم يكن من الممكن ترويضه إلاّ بفن القص".

وسلطت الندوة الضوء أيضا على المشاركة الخليجية في القائمة الطويلة من خلال رواية "ساق البامبو" للكويتي سعود السنعوسي و"القندس" للسعودي محمد حسن علوان. واعتبرت بعض المداخلات أن الروائي الكويتي يعد مفاجأة الدورة السادسة للبوكر بوصوله إلى القائمة الطويلة، كما أشارت إلى أن ظهور جيل جديد من الروائيين الخليجيين دليل على تطور الرواية الخليجية.

كما اهتمت الندوة بحظوظ النص الروائي التونسي ضمن هذه القائمة الطويلة وقدمت قراءة في رواية "سعادته سيادة الوزير" للروائي حسين الواد المرشحة ضمن القائمة الطويلة، واختتمت بنقاش مع الصحفيين والأدباء حول شروط الترشح للجائزة وما يتعلق بمصداقية ترشيحاتها وحظوظ الرواية التونسية في الوصول إلى القائمة القصيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة