جسر دير الزور المعلق.. لا يزال عالقا بقلوب أهلها   
الأربعاء 1435/7/15 هـ - الموافق 14/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:04 (مكة المكرمة)، 14:04 (غرينتش)

فادي جابر-دير الزور

لم يعد يستطيع رامي القفز من ارتفاع عشرات الأمتار منطلقا من فوق النقطة الأعلى من الجسر باتجاه مياه نهر الفرات العميقة الهادرة، متفاخرا أمام المارة والسكان والسياح ببطولاته الرياضية ومغامرته الخطرة.

فقد مر عام كامل على تدمير الجسر المعلق في دير الزور في مايو/أيار 2013 بواسطة قوات النظام عبر استهداف الدعامة الثالثة له مباشرة بقذائف مدفعية، الأمر الذي تسبب في تدمير الأسلاك الحاملة لبدن الجسر وانهياره بشكل كامل، وبقاء الدعامات الحاملة شاهدة على ما حدث.

ويتحدث رامي عن أنه كان حينها يخوض قتالا شرسا على إحدى جبهات دير الزور عندما وصله الخبر مدويا من أخيه عبر الاتصال اللاسلكي "استشهد الجسر المعلق يا شباب".

ويضيف في حديث للجزيرة نت أنه حوّل بندقيته لوضع الإطلاق، ونهض فوق الساتر الرملي متجاهلا كمّ الرصاص الثقيل المتطاير حوله، فأطلق النار باتجاه ساتر قوات النظام، وأفرغ مخزون سلاحه وهو يصرخ، لكن غضبه كان أكبر من عدد طلقات البندقية.

الجسر الذي ارتبط بالذاكرة الجمعية لأهل المدينة وزوارها، كان حتى قبيل بدء العمليات العسكرية في دير الزور نهاية العام 2011 طريقا للمارة بين ضفتي النهر الشامية جنوباً والجزيرة شمالاً، وملتقى الأصدقاء وممراً لسير الأحبة، ومتنفساً للعائلات الديرية في أيام القيظ.

أحد الشبان وهو يقفز من أعلى
الجسر المعلق قبل تدميره (الجزيرة)

ذكريات
ولا يخلو منزل في دير الزور من صور أفراده إما أثناء قفزهم منه باتجاه النهر للسباحة، وإما "لمّة" (جلسة) عائلية أو صورة ذكرى لمتزوجين حديثا، وإما مجرد لقاء عابر لأصدقاء، بل إنه من عادة أهل دير الزور حين زف عروس إلى زوجها أن يأخذوها لتسير فوق الجسر أو تمر بالقرب منه أثناء الزفة.

ويروي الكاتب والناشط محمد الحمصي مشاهداته عن أحوال أهل دير الزور يوم جاءهم خبر تدمير الجسر، ويقسّمهم إلى ثلاثة أقسام، فمنهم من لم يعر الموضوع أية أهمية واعتبر دماره مثل الدمار الذي لحق بالمدينة، ومنهم من تأثر كثيراً بهدمه واعتبر سقوطه وتدميره خسارة لقطعة مهمة من ذاكرته.

ويتابع في حديث للجزيرة نت عن القسم الثالث واصفا إياهم "بغير المهتمين" بتدمير الجسر، كما أنهم كانوا غاضبين من ردة فعل الذين تأثروا بدمار الجسر، فهو من وجهة نظرهم مجرد حجر لا يساوي قطرة دم من أحد آلاف المقاتلين الذين ارتقوا في دير الزور.

ويضيف الحمصي "لربما كانت المشاعر أكثر حميمية لو كانت حادثة تدميره جرت قبل الثورة، حينها كانت ستصاغ عنه المرثيات، وغنيت فيه النبوذيات العراقية الحزينة، لكن قسوة ما يمر به السوريون خففت وطأة تدميره في نفوسهم".

تاريخيا، باشرت فرنسا بناء الجسر عام 1925 بإشراف المهندس الفرنسي مسيو فيفو، ويبلغ طوله ٤٧٦ مترًا وعرضه حوالي 4.5 أمتار، وارتفاعه 36 مترا، ويستند على أربعة قواعد تنبثق عنها أربع ركائز بطول 25 مترا لكل ركيزة، ولم يكن يماثله في العالم سوى جسر جنوب فرنسا.

واستمر بناؤه ست سنوات، مات خلالها عدد من أبناء المدينة، وهناك من كبار السن في دير الزور من يقول إن بعضا من العمال سقطوا داخل الكتل الخرسانية التي تحمل الجسر أثناء سكب الإسمنت فيها ولا تزال جثثهم داخلها حتى الآن.

وفي العام 1947 أُنير بالكهرباء، وبقيت السيارات تمر عليه حتى العام 1980 تاريخ بناء جسر السياسية شرقه (نسبة لفرع الأمن السياسي المقابل للجسر الجديد).

وكانت عملية مرور السيارات على الجسر المعلق قبل ذلك التاريخ تنظم عبر استخدام الهاتف بين عامليْن كل منهما يتمركز في طرف من طرفي الجسر، يخبر أحدهما الآخر بمرور سيارة من جهته إلى الجهة الأخرى، فيمنع العامل الآخر مرور السيارات حتى وصولها إليها وهكذا دواليك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة