أميركا متعددة ثقافيا أحادية سياسيا   
الثلاثاء 25/9/1430 هـ - الموافق 15/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:28 (مكة المكرمة)، 9:28 (غرينتش)
 العكش: المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة نذرت نفسها لحماية إسرائيل (الجزيرة نت)

عدي جوني-الدوحة

 
ليس للولايات المتحدة وجه ثقافي واحد إذا كان الأمر يتعلق بتركيبة المجتمع الأميركي، لكنها كمؤسسة سياسية حاكمة لا تعرف سوى تيار سائد واحد، بدأ وترسخ عبر التاريخ انطلاقا من المفهوم البيوريتاني القائم على فكرة العنصرية التي تعبر عنها مقولتهم الشهيرة "شعب الله المختار" المفوض بإزالة الآخر.

هذا باختصار ما ذهب إليه الدكتور منير العكش -أستاذ الإنسانيات واللغات الحديثة ومدير الدراسات العربية في جامعة سفك بولاية بوسطن- وذلك في اللقاء الذي أجرته معه الجزيرة نت على هامش زيارته إلى العاصمة القطرية.

بيد أن التفاصيل تضج بصورة كارثية قوامها الدم والإبادة الجماعية وعلى نحو يدفع المشاهد للشعور بأن أميركا تعاني من حالة انفصام شخصية مصحوبة برهاب الآخر والعدوانية المشرعنة باسم الله، وكأن الله أعطى للولايات المتحدة -حسب قناعات مؤسسيها- شيكا مفتوحا لإدارة مسلخ بشري مسخر لخدمة عرق واحد.

الرؤية العقائدية
واستنادا إلى هذا التوصيف الموثق تاريخيا في أكثر من كتاب وضعه الدكتور العكش كان آخرها "أميركا.. الإبادات الثقافية لعنة كنعان الإنكليزية"، يقول المؤلف إن شعوبا كثيرة غزت القارة الأميركية بعد اكتشافها من قبل كريستوفر كولومبس، لكن الشعب الوحيد الذي جاءها حاملا عقيدة ورؤية أيديولوجية مسبقة هم الشعب الإنجليزي -وتحديدا المهاجرين الأوائل من طائفة البيوريتان "الأطهار الذين أطلقوا على العالم الجديد تسميات توراتية مثل صهيون، وأرض الميعاد وبلاد كنعان، في اتساق واضح مع قناعتهم بأنهم عبريون يعيدون تصحيح التاريخ.

مظاهرة مؤيدة لإسرائيل في مدينة نيويورك (الفرنسية-أرشيف)
ويرى المفكر العربي -الفلسطيني بالاختيار السوري المولد كما يقول- أن الهندي الأحمر وفي إطار هذه القراءة البيوريتانية للتاريخ تحول إلى مجاز كنعاني سلطت عليه صفات الشيطان والدونية تبريرا لتصفيته جسدا وثقافة وهوية بدافع تنفيذ "رغبة الله"، لتصبح الكنعنة مرادفا للشيطنة، وهو أسلوب سياسي برعت فيه العقلية الأنغلوساكسونية بدءا من جيرانهم الأيرلنديين -الذين لاقوا على يد الإنجليز ما لاقاه ويلاقيه الفلسطينيون الآن على يد الاحتلال الإسرائيلي- ووصولا إلى ضفة الأطلسي.

وبالتالي-يقول العكش- لا داعي للحديث عن لوبي يهودي نشط يرسم سياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، لأن المؤسسة الحاكمة نذرت لنفسها أن تكون حامية لإسرائيل منذ نشأتها، ما يجعل الكونغرس الأميركي حارسا حقيقيا للدولة اليهودية.

ويستشهد على ذلك بقول للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون (العلماني وليس المتدين) في خطاب أمام الكنيست الإسرائيلي بعد توقيع اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل إن كاهنا -اصطحبه في رحلة إلى تل أبيب- أوصاه بأن من يغضب إسرائيل فإنما يغضب الله.

التعددية الثقافية
وفي إطار هذا التوصيف للدكتور العكش فإن التعددية الثقافية في المجتمع الأميركي مجرد تحصيل حاصل لسياسات الهجرة وليست أساسا لعقلية سياسية قائمة على الاعتراف بالآخر، طالما أن الولايات المتحدة بشكلها الحالي نتاج عمليات الإبادة التي طالت ملايين الهنود الحمر باسم الله.

"
اقرأ أيضا:

المجازر الإسرائيلية في فلسطين ولبنان

المسار العسكري للصراع العربي الإسرائيلي قبل 1979
"

والمفارقة الغريبة التي يشير إليها العكش أن المجتمع الأميركي حتى بتركيبته العلمانية يتحول إلى وعاء لخرافة يهودية تزور التاريخ وتقلب الموازين عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، ويعزى ذلك -حسب العكش- إلى الضخ المتواصل لإعادة المقولة البيوريتانية في وسائل الإعلام والنظام التعليمي.

بيد أن الأمر لا يعني بالضرورة أن أميركا تقيم سياساتها على مفهوم النبوءة الدينية التي تتحدث عن ضرورة تجميع اليهود في فلسطين تمهيدا لعودة المسيح، لأن هذا المفهوم يتبع للمسيحية الصهيونية التي يعادي زعماؤها ومفكروها اليهود، بل في حماية إسرائيل وتثبيت العبريين في أرض كنعان.

ويخلص الدكتور العكش للقول إننا وللأسف في العالم العربي مقصرون في محاولة فهم أميركا معتمدين على وسائل الإعلام فقط لمعرفة ذلك الجزء من العالم بينما لا يوجد في كل الجامعات العربية والمراكز الأكاديمية أي مراكز متخصصة بالدراسات الأميركية خلافا للعديد من الدول الأخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة