زيارة الطالباني للأردن زوال سحابة أم خدمة مصالح؟   
السبت 1426/3/29 هـ - الموافق 7/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:27 (مكة المكرمة)، 16:27 (غرينتش)


كريم حسين نعمة

اختار الرئيس العراقي جلال الطالباني الأردن ليكون أول إطلالة له على الخارج منذ تسنمه منصبه كأول رئيس كردي للعراق في السابع من الشهر الماضي.

وتأتي هذه الزيارة على خلفية الصدع الذي شاب العلاقات بين البلدين على خلفية تناقل وسائل الإعلام مظاهر فرح في مدينة السلط الأردنية احتفالا بقيام أحد أبناء المدينة بتنفيذ انفجار الحلة في فبراير/شباط الماضي أسفر عن مقتل نحو 125 عراقيا والمظاهرات العنيفة التي شهدتها مدن عراقية عدة احتجاجا على ذلك، وكذلك على خلفية تحذيرات العاهل الأردني من قيام ما سماه الهلال الشيعي.

وفي إشارة إلى بوادر تحسن العلاقات بين البلدين اصطحب الطالباني معه السفير العراقي لدى الأردن عطا عبد الوهاب تمهيدا لعودته إلى مركز عمله بعد أن كانت بغداد استدعته في 22 مارس/آذار الماضي على خلفية أزمة الحلة. وكان الأردن استدعى القائم بأعماله في بغداد ديماي حداد، لكن العاهل الأردني أمر بعد يومين بعودته لنزع فتيل الأزمة.

زيارة الطالباني لها مدلول سياسي واضح رغم أنه لا يمكن الاستناد لها كمعيار لتطور العلاقات بين البلدين وذلك لأن منصب رئاسة الجمهورية في العراق شرفي وليس تنفيذيا، بحسب المحلل السياسي العراقي د. لقاء مكي الذي شدد على أن عودة السفير العراقي ليست مرتبطة بزيارة الطالباني بل جاءت نتيجة قرار حكومي.

بوادر التقارب العراقي الأردني بدأت قبل أسابيع عندما استضاف العاهل الأردني رؤوساء تحرير أبرز الصحف العراقية ومسؤولين بارزين في الإذاعة والتلفزيون العراقيين وأكد لهم الموقف الرسمي الأردني الداعم للعملية السياسية في العراق بعد أن كان استبق ذلك بتوجيه انتقادات إلى وسائل إعلامه محملا إياها جزءا من مسؤولية تردي العلاقات مع العراق.

وفي هذا الإطار قال وزير التخطيط العراقي برهم صالح في تصريحات صحفية إن زيارة الطالباني تصب في خدمة العلاقات بين البلدين ودفعها في الاتجاه الصحيح وتفادي مشاكل الماضي وتداعياته، مشددا على الحرص المشترك على مواجهة ما سماه الإرهاب والتطرف الذي قال إنه "يهدد الأردن كما يهدد العراق".

من جهتها قالت المستشارة الصحفية في السفارة العراقية في عمان هناء الربيعي إن عودة السفير العراقي إلى عمان دليل على انتهاء الأزمة بين البلدين. وذهب المتحدث باسم الخارجية الأردنية رجب الصقيري في نفس الاتجاه قائلا إن زيارة الطالباني وعودة السفير العراقي "أنهت سحابة الصيف والخلاف البسيط في وجهات النظر".

"
بعض المحللين يرون أن الخلاف بين بغداد وعمان تتحكم فيه جهتان في العراق، الأولى يمثلها التيار الذي يتمسك بإيديولوجية دينية والثانية يمثلها زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي
"
غير أن المحلل السياسي الأردني شاكر الجوهري رأى أن أي حديث عن انتهاء التوتر بين العراق والأردن بعيد عن أرض الواقع ووصف التصريحات بهذا الشأن بأنها ضرب من ضروب العمل السياسي، وقال للجزيرة نت إنه يستند في رأيه هذا إلى حقيقة أن الطالباني لا يمثل مركز الثقل في السياسة العراقية بل الذي يمثل ذلك هو رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري.

وأوضح الجوهري أن الخلاف بين البلدين تتحكم فيه جهتان في العراق الأولى يمثلها التيار الذي يتمسك بإيديولوجية دينية مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يأخذ على الأردن وقوفه إلى جانب الحكومة العراقية أيام الحرب مع إيران، والجهة الثانية يمثلها زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي وخلاف الأردن معه في قضية بنك البتراء معروف.

وبشأن هذه الشخصية العراقية الأخيرة المثيرة للجدل لاحظ المراقبون أن الأردن خفف من انتقاداته الحادة له بعد تعيينه نائبا لرئيس الوزراء في حكومة الجعفري الجديدة. وبرز ذلك من خلال تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الأردنية أسمى خضر التي قالت فيها إن تعيين الجلبي "وليد إفرازات العملية السياسية في العراق"، دون أن تنسى التأكيد على أن الحكومة الأردنية تحترم رأي الشعب العراقي وتساند الجهود السياسية لإعادة بناء المؤسسات العراقية.

لكن مراقبين آخرين ربطوا ذلك بالتغيير الذي طرأ في موقف واشنطن حيال الجلبي، لاسيما بعد تهنئة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس له على منصبه الجديد

فالأردن -كما يرى المحلل السياسي العراقي لقاء مكي-يتعامل مع الشأن العراقي بواقعية سياسية وهو يعرف أن الجلبي يمثل رقما صعبا في المعادلة العراقية ولا بد من تجنب تصعيد الخلاف معه حفاظا على المصالح الأردنية في العراق.

وخدمة هذه المصالح وليس الانسياق وراء الخلافات الإيديولوجية هي السبيل الوحيد لتطوير العلاقات بين البلدين، وهذا ما أقدم عليه العاهل الأردني مؤخرا من خلال التغيير الذي أجراه في التشكيلة الحكومية وتعيين عدنان بدران رئيسا لها في محاولة للتقرب من بغداد، واستجابت له الحكومة العراقية الجديدة من خلال نسيان ما حدث من توتر بشأن مجزرة الحلة وإعادة سفيرها إلى الأردن.
ــــــــــــــــــ
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة