أحداث جنوب العراق عام 1991 روايتان لمشهد واحد   
الثلاثاء 1428/8/8 هـ - الموافق 21/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 20:59 (مكة المكرمة)، 17:59 (غرينتش)

محمد عبد العاطي
 
يحتاج التاريخ لكتابته بطريقة يغلب عليها الموضوعية إلى عدة عقود، تقل فيها حرارة الحدث، وتظهر بعدها الوثائق الرسمية، وتكثر خلالها الروايات والمذكرات التي يمكن بمقارنة بعضها البعض معرفة صورة ولو تقريبية "للخطوط العريضة" للسير الأحداث.
 
أما التفصيلات الدقيقة فستظل دوما مختلفا بشأنها، ومن الصعوبة أن توجد رواية واحدة موثقة يتم اعتمادها والرجوع إليها.
 
والأحداث التي شهدها العراق وبخاصة في محافظاته الجنوبية عام 1991 نموذج شاهد على هذا النوع من الكتابات.
 
رواية من قاموا بالحدث وأيدوه 
الخلاف في رواية أحداث الجنوب العراقي عام 1991 يبدأ من السطر الأول.
فمن قاموا بالحدث ومن أيدوه واعتبروه فترة "مشرقة" في تاريخهم، ينظرون إليه على أنه "انتفاضة" شعبية، و"ثورة" جماهيرية في وجه سلطان "ظالم وحاكم مستبد"، أدخل البلاد في أتون حربين مدمرتين الأولى مع إيران عام 1988، والثانية ضد الكويت عام 1990، وتسبب بقراراته و"بمغامراته" العسكرية في مقتل مئات الآلاف، وإضاعة مليارات الدولارات.
 
ويعتبر أصحاب وجهة النظر هذه أن القطرة التي أفاضت مياه كأس الصبر عند الجنوبيين، هي رؤيتهم الجيش العراقي منسحبا بشكل "مذل ومهين" من الكويت أواخر فبراير/ شباط 1991.
 
"
المعارضون لنظام حكم الرئيس السابق صدام حسين يرون في أحداث الجنوب العراقي عام 1991 انتفاضة شعبية مباركة، هدفت إلى تحرير البلاد من سلطان حاكم مستبد ظالم
"
وعن وقائع ما حدث يقولون، إن الشرارة الأولى في "الثورة" أشعلها أحد الجنود العائدين والمتأثرين بأجواء الهزيمة، حيث أطلق أعيرة نارية من بندقيته على صورة كبيرة للرئيس صدام حسين في ساحة "سعد" بمدينة البصرة، وردد هتافات تندد "بالديكتاتور" الذي "هزم" الجيش و"أذل" الشعب، فألهب الحماس وخرج الناس بعده إلى الشوارع هاتفين بسقوط النظام، داعين بقية المدن العراقية إلى الانتفاضة على رجاله "المنهزمين".
 
ويواصل من يتبنون هذا الفهم روايتهم لما حدث فيقولون إن "الثوار" استولوا على مراكز الشرطة، والمقرات الحزبية في البصرة، ثم بعد أن انضم إليهم آلاف السكان "الثائرين" توسعوا في انتفاضتهم، فاستولوا على أسلحة بعض معسكرات الجيش ووضعوا أيديهم على ما كان في مستودعاتها من مواد تموينية.
 
ثم امتد الغضب الجماهيري إلى بقية المحافظات فعم الناصرية والعمارة والكوت والنجف وكربلاء والديوانية وديالى والحلة.
 
بل إنه اتسع ليشمل بعض محافظات الشمال التي يسكنها أغلبية كردية مثل السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك وشملت "الثورة" 14 محافظة من أصل 18 هي كل محافظات العراق.
 
وكان الجنوبيون "المنتفضون" يتوقعون أن تبسط الولايات المتحدة جناح حمايتها عليهم، وتمنع صدام حسين من استخدام من تبقى في جيشه، وما كان بحوزته من دبابات وطائرات ومدفعية ضدهم.
 
لكن خاب ظنهم، -على حد قولهم- وأصدر جورج بوش الأب قراره بعدم دخول بغداد، وغض الطرف عن "قمع" الجيش لهذه "الانتفاضة"، فحدث ما يصفونه بالمذبحة على يد قادة النظام العراقي، وعلى رأسهم ابن عم الرئيس علي حسن المجيد المشهور بعلي الكيماوي، الذي عينه صدام وزيرا للداخلية خلفا لسمير عبد الوهاب وكلفه بمهمة قمع الانتفاضة.
 
ويختتمون روايتهم بالقول إن وزير الداخلية علي حسن المجيد ووزير الدفاع سلطان هاشم أحمد الطائي ورئيس هيئة التصنيع العسكري حسين كامل، وغيرهم من القادة الموالين لصدام استخدموا كل ما في جعبتهم من أسلحة وذخائر واستطاعوا بعد قتل عشرات الآلاف من "الأبرياء" إخماد "الثورة"، وقمع "الانتفاضة"، التي أطلقوا عليها الانتفاضة "الشعبانية المباركة"، نسبة إلى شهر شعبان الذي وقعت فيه.
 
رواية النظام العراقي ومؤيديه

"
المؤيدون لنظام الرئيس السابق صدام حسين والمقتنعون بسلوكه إزاء أحداث الجنوب العراقي عام 1991 يصفون ما حدث على أنه تمرد وخروج على الدستور والقانون ومحاولة للانقلاب على السلطة الشرعية، وأن ما فعله صدام والجيش العراقي واجب وطني

"

أما وجهة النظر الأخرى والتي تبناها النظام العراقي آنذاك، ولا يزال يتمسك بها من يوافقونه الرأي، ويتوحدون معه في زاوية النظر و"تكييف" ما حدث فملخصها:
 
أن إيران "العدو اللدود" للعراق استغلت الحرب التي شنتها قوات التحالف عام 1991 ضد الجيش العراقي والتي أدت إلى "قبوله بالانسحاب" من الكويت، فأوعزت إلى عناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني، وللمخابرات الإيرانية، و"لعملائها" من العراقيين في محافظات الجنوب "بالتمرد" على السلطة الشرعية في البلاد المتمثلة في نظام حكم الرئيس صدام حسين.
 
واستغلت تلك العناصر مشاعر الاستياء والحزن والغضب التي ألمت بالنفوس إثر انسحاب الجيش، ثم وبالاشتراك مع "الغوغاء والسراق"، وبمعاونة "مثيري الشغب"، أحدثوا هذا "التمرد"، ونشروا في البلاد تلك "الفوضى"التي قاموا خلالها بعمليات قتل ونهب وحرق لمؤسسات الدولة وهتك للاعراض وارتكاب مجازر ضد الجنود العراقيين المنسحبين من الكويت.
 
وصور لهم "وهمهم" -تستمرهذه الرواية- إمكانية الانقلاب على السلطة، والاستيلاء على الحكم، فما كان من الحاكم الذي يريد لدولته الاستقرار، ولشعبه الأمان، ولوطنه الحماية من أطماع "الأعداء"، إلا أن مارس سلطاته الشرعية التي خولها له الدستور والقانون فقمع التمرد، وأعاد الهدوء والاستقرار إلى ربوع الوطن.
 
وقد قام بهذا العمل "الجليل" الجيش العراقي، وساعدته سائر أجهزة الدولة، حيث أدوا "واجبهم" في حماية وطنهم والدفاع عنه.
 
أما كل من سقطوا جراء ذلك فقد نالوا عقابهم الذي يستحقوه جزاء فعلتهم.
 
هذه هي الخطوط الفكرية العريضة لوجهة النظر الثانية لما حدث عام 1991.
 
أما عن الرواية الثالثة التي تقف في توثيقها للحدث في منطقة وسط بين هاتين الروايتين فهي حتى الآن غائبة، ويبدو أنها ستظل كذلك لسنوات أخرى عديدة ريثما تهدأ العاصفة التي لا تزال في أوج عنفوانها رغم مرور أكثر من 15 عاما.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة