"أراض للتنزه".. فوق تاريخ مدفون   
السبت 16/8/1432 هـ - الموافق 16/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:06 (مكة المكرمة)، 15:06 (غرينتش)

ميرفت صادق-رام الله

صدر مؤخرا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) النسخة العربية من رواية "أراضٍ للتنزه" للكاتب الإسرائيلي عوز شيلاح، والكتاب الذي يحمل عنوانا فرعيا "رواية في شذرات" من ترجمة الشاعر والأكاديمي عبد الرحيم الشيخ.
 
في هذه الرواية "ينقب شيلاح تحت الغابات ليلتقط بقايا التاريخ الفلسطيني المدفون تحت جغرافيا أعيد تشكيلها قسرا"، هكذا يعرف الشيخ مجموعة سرديات مختلفة الزمان والمكان، لكنها متناسقة في غاية واحدة تظهر حينا وتتخفى أحيانا.
 
ويشخص الشيخ هذه الغاية في محاولة كاتب الرواية -الذي قرر ترك "إسرائيل" والهجرة منها بعد تاريخ حافل في العمل الإعلامي والعسكري- تسليط الضوء على "آليات الاقتلاع التي يواجهها الفلسطينيون ومحاولات زرع تاريخ آخر مكان تاريخهم".

عبد الرحيم الشيخ: الرواية تشخيص للإنكار الإسرائيلي للحقيقة الفلسطينية (الجزيرة) 
تشخيص الإنكار
وفي تعريفه للرواية يقول الشيخ "يبحث شيلاح تحت الغابات ليلتقط بقايا التاريخ الفلسطيني المدفون تحت جغرافيا أعيد تشكيلها قسرا، وينقب في المناطق المعتمة في الخطاب الإسرائيلي، ليكشف بحس فائض بالسخرية عن المسكوت عنه، وتقنيات إخفائه في ثنايا لغة تتولى بلا كلل غسيل المنتوج الاقتلاعي والاحتلالي، متوليا تعرية المسلكيات المتبعة في هذا الاتجاه".
 
وكما يورد في سيرة ذاتية كتبها الرواي للنسخة العربية، فقد ولد عوز شيلاح عام 1968 في مستشفى هداسا "فوق" عين كارم قرب القدس. وأدى خدمته العسكرية بوصفه محرر أخبار في إذاعة الجيش الإسرائيلي، وكان قبل ذلك مراسلا لصحيفة "كول هاعير" الأسبوعية.
 
ودرس شيلاح التاريخ والكلاسيكيات في الجامعة العبرية بالقدس، لكنه قرر مغادرة البلد "والأرض" -كما يكتب- في العام 1998، وقرر كتابة "أراضٍ للتنزه" عندما كان يدرس الكتابة في نيويورك، ويقيم حاليا في باريس.
 
ويستخدم مترجم الكتاب عبد الرحيم الشيخ من خلال سيرة شيلاح الذاتية جملة مفاهيم مفتاحية لتوضيح النصوص الواردة، من بينها على سبيل المثال استخدام شيلاح "فوق" ليصف أين تقع مستشفى هداسا "فوق عين كارم" لا "فيها".

ويرى في ذلك إحالة إلى موضوع الرواية المركزي المتمثل في "تشخيص الإنكار الإسرائيلي العام للحقيقة الفلسطينية الغائبة أو المغيبة بفعل الوجود الإسرائيلي، وهي ترحيل الفلسطينيين عن قراهم التي صارت "أراضٍ للتنزه"، وإقامة حداثة استعمارية مكان حداثتهم الأصلية".
 
وعن استعماله الإنجليزية، يشير الشيخ إلى أن "شيلاح يعتقد جازما أن العبرية لغة مرتبطة بمشروع قومي صهيوني، ومشحونة سياسيا وأيديولوجيا، وأنه لا يشعر بالراحة معها كلغة استعمارية، ولا يعتقد أنها تصلح لصنع الجماليات الأدبية"، رغم اعتراف صاحب الرواية بإعجابه باللغة الإنجليزية وخاصة المكتوبة بأيدي غير المتحدثين بها.
 
بلا بشر ولا تاريخ
"
أكرم مسلم:
إن شيلاح يحاول إيقاظ الغياب بكل تفاصيله وأنينه، حتى يتسيّد هذا الغيابُ الحضور ويمنحه معناه وتراجيديته الساخرة
"
ولا يمر قارئ الرواية دون أن تستفزه محطات علق كاتبها شيلاح في أزمتها الأخلاقية والسياسية قبل قرّائه.

وتحت عنوان "مشاركة" يروي شيلاح حادثة طلب فيها من مجموعة عشوائية من طلبة علم النفس الذين كان عليهم المشاركة في ثلاث إلى أربع تجارب، أن يتخيلوا مدينة "تل أبيب" كلها عارية، "أن يجردوها بأعين عقلهم إلى ما كانت عليه، أو ما يمكنها أن تكون..".
 
ويقول الراوي "تخيل الطلبةُ كلهم فراغا كبيرا، رأوا شوارع وبنايات، أو امتدادات رملية عريضة، وشجيرات واطئة، وبضعة جداول تصب في البحر، وبعضهم رأى أنقاضا.. لكن، لم يذكر حتى مشارك واحد في التجربة.. البشر".
 
وتظهر روح "الإلغاء" كذلك في قصة "ذات عصر"، حيث قرر أستاذ تاريخ إسرائيلي أخذ عائلته في نزهة إلى غابة هادئة للصنوبر قرب "غفعات شاؤول" تماما فوق قرية، كانت تدعى "دير ياسين" قرب القدس.
 
وفي الرواية "لم يتحدث الأستاذ عن القرية، ولا عن أصل الحجارة. لم يتحدث عن مدرسة القرية التي صارت مستشفى للأمراض النفسية على الجانب الآخر من التل.. لقد تخيل أنه وعائلته كانوا في نزهة لا علاقة لها بالقرية، يستمتعون بأراضيها خارج التاريخ".

أكرم مسلم: شيلح يحاول إيقاظ الغياب (الجزيرة)

إيقاظ الغياب
أما الكاتب أكرم مسلّم فيقارب بين اختيار عوز شيلاح الكتابة بالإنجليزية لا العبرية، وبين خروج العالم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو -الذي ترك "إسرائيل" أيضا- من اليهودية إلى المسيحية قبل أن يكشف أسرار المفاعل النووي الإسرائيلي، "فيما يشبه الاحتجاج على اختطاف اليهودية لصالح الصهيونية".

ويضيف في تعقيبه على الرواية، إن شيلاح يحاول إيقاظ الغياب بكل تفاصيله وأنينه، حتى يتسيّد هذا الغياب الحضور ويمنحه معناه وتراجيديته الساخرة.

وفي هذه المحاولة، "يدفع شيلاح بالضحية إلى صدارة المتن بلا أي تحفظ، ويعيد تركيب الليغو الأصلي، من ذات مكونات الليغو المستجد، الأسماء والأشجار والحجارة والشخوص" كما يشخصها مسلّم.
 
من جهتها ترى مديرة مركز الدراسات الإسرائيلية في رام الله هنيدة غانم أن للرواية خصوصية هامة وفرادة فيما وصفته بـ"نبش عميق يتيح إعادة تخيل المشهد المطمور تحته"، والمطمور هنا هو التاريخ والرواية الفلسطينية للتاريخ أيضا.
 
وهي تعتقد أيضا أن ترجمة أعمال أدبية من هذا القبيل ستلعب دورا مهما في ترسيخ الرواية الفلسطينية عن طريق حالة الإقرار بالوجود الفلسطيني كواقع وليس مجرد تخيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة