الأديب الفلسطيني القيسي باحث عن الوطن في الوطن   
الثلاثاء 1425/10/25 هـ - الموافق 7/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:18 (مكة المكرمة)، 17:18 (غرينتش)

رغم وصف كتاب "شرفة بلا قفص" وهو آخر ما خطه الشاعر والكاتب الفلسطيني الراحل محمد القيسي بأنه رواية إلا أنه يبدو أقرب إلى شعر مكثف يروي بتوتر وحزن موحيين أفكارا وصورا مستعادة عن عالم حقيقي مفقود. 

في "شرفة بلا قفص" يزيد المأساة إيلاما جارحا أن الشاعر الراوي في بحثه عن هذا المكان، الذي لم يزل عالقا بالذاكرة منذ الطفولة والذي لم يستطع العثور عليه في ترحاله إلى أنحاء عديدة نائية من العالم، عجز أيضا عن استعادته حتى عندما عاد إليه فعلا.  

فحين يتمكن بطل الرواية من زيارة موطنه فلسطين من خلال ترخيص مؤقت يكتشف أن بيته الذي بنته له أمه في منطقة أحد المخيمات خلال غيابه في الخليج حيث كان يعمل ولم يعد يستطيع العودة بعد حرب 1967 لم يعد بيته إذ صادره الأقربون بعد أن صادر الإسرائيليون بيته الذي كان أبوه قد أنشأه.

موضوع التفتيش عن المكان في سائر الأمكنة وعن المكان والملجأ في الجسد "جسد المرأة" يتردد عنده باستمرار. فتجده يقول وهو مع "صفية" -إحدى اللواتي أحبهن وأحببنه- "الجسد مكان وأنا مخطوف في غزة بألطاف صفية وأيامي تقل". إنه من هؤلاء الذين صاروا خارج المكان على حد تعبير إدوارد سعيد. 

وحين تقله صفية بسيارتها التابعة للأمم المتحدة إلى عسقلان نجده يقول في حسرات لاهبة "لا أعرف شيئا من شوارع بلادي أو علاماتها، أين ترى يقع معتقل عسقلان الشهير الذي يرسف فيه المئات من أهلي، كيف حصل لنا كل هذا وعاقبنا التاريخ بجريرة التاريخ وسوى وكالة المنفى؟".

وفي رام الله يعود الإحساس بالفقد إليه فيقول "حين كنت أدب بأحزاني على دوار المنارة في رام الله من جديد قادما من غزة لأبقى نهارا وليلة فيها راغبا في أن أتشربها كاملا.. تأكد لي أنني مازلت أبحث في المكان عن المكان وأبحث فيه عني كأن المكان نهر متغير وهذا التغير ليس لصالح مكاني. هو رجوع عنه وعن تفاصيله ويكاد يكون مكانا غريبا علي".

ويتابع "لم أجدني في المكان مثلما لم أجد المكان في. يتصادم في داخلي مكانان.. المكان الذي أرى الآن والمكان الذي كنت أحلم. ها هما يتصادمان وأراني حزينا لكل ما جرى ويجري".

والقيسي يرسم ويروي بشعريته الحاضرة دائما والتي تعوض عن فقدان النص القصصي الصلب أحيانا بتقديم سرد وجداني دائم الحضور ودائم التجدد في إيحاءاته. 

فروايته من الناحية القصصية -خاصة من حيث الحدث الروائي المادي والذهني- هي أحداث وصور مستعادة متكررة لكنه بتعبيره الشعري المتجدد دائما حتى في التعبير عن الحالة الواحدة أو الأحداث التي تكاد تكون واحدة يقدم الجديد للقارئ حتى تبدو الرواية كلها أقرب إلى قصيدة سردية أحيانا وذات لوحات متعددة هي حالات نفسية وجدانية محركة. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة