ربيع الفن في برلين   
الخميس 3/6/1432 هـ - الموافق 5/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:29 (مكة المكرمة)، 14:29 (غرينتش)

من أعمال الفنان الصيني الشهير أي وايواي (الجزيرة نت)

ابتسام عازم-برلين

لم تكن الشمس وحدها ضيفة برلين بين التاسع والعشرين من أبريل/نيسان والأول من مايو/أيار الحالي، بل رافقتها أعداد كبيرة من محبي الفن المعاصر الذين توافدوا لحضور ما يسمى "غاليري ويكند" (عطلة أسبوع القاعات) في سنتها السابعة.

فقد اشتركت أربع وأربعون قاعة عرض في استضافة أعمال أكثر من ستين فنانا وفنانة من ألمانيا والعالم. وتم تخصيص حافلات لنقل الزوار بين القاعات. أما الأغنياء من جامعي الفن ومديري المتاحف والمزادات فكان نصيبهم السيارات السوداء الفارهة ليسهل عليهم البحث والشراء.

وتعتبر الأيام الثلاثة من أهم الأحداث التي تشهدها برلين على صعيد الفن من حيث ضخامة نشاطاتها وربما تكون من أبرز النشاطات التي تجمع المال والفن في أوروبا، كما يحدث في فعاليات "آرت بازل" الشهيرة.

وليس غريبا أن تكتسب برلين كل هذه الأهمية فقد استقطبت أعدادا كبيرة من الفنانين الذين قدموا ليعيشوا ويعملوا فيها في العقد الأخير حتى وصل عدد المسجلين رسميا إلى أكثر من عشرين ألفا. وما يجذبهم إليها، بالإضافة إلى تاريخها العريق والجذاب، هو انخفاض أجور شققها واستوديوهاتها نسبيا، بالمقارنة مع لندن أو باريس أو نيويورك.

صورة للفنان وايواي على أحد جدران مدينة برلين ضمن حملة تطالب بالكشف عن مصيره (الأوروبية-أرشيف)
ويصل دخْل مبيعات غاليريهات برلين -التي يقارب عددها ستمائة وخمسين- إلى أكثر من خمسين مليون يورو. وكان على القاعات المشتركة في "غاليري ويكند" أن تدفع ستة آلاف وخمسمائة يورو رسوم اشتراك يأمل أصحابها في جني أضعافها من مشاهير المقتنين الذين قدموا من نيويورك ولوس أنجلوس وروسيا وأوروبا.

الصيني الغائب
كان الحدث الأبرز الذي شغل الصحف الألمانية والأوساط الفنية هو غياب الفنان الصيني الشهير أي وايواي (من مواليد بكين عام ١٩٥٧) الذي ألقت السلطات الصينية القبض عليه في الثالث من أبريل/نيسان الماضي. وتحول السؤال "أين وايواي؟" إلى شعار كتب بالإنجليزية على شريط من قماش أبيض زين واجهة مدخل غاليري "نويغرم شنايدر" في منطقة ميته حيث عرضت أعماله.

وقال القائمون على المعرض للجزيرة نت إنهم قاموا بوضع وترتيب أعماله بحسب خطط ورسومات وقصاصات ورق دقيقة كان وايواي قد تركها عندهم تحسبا لطارئ من هذا النوع.

ولعله كان يتوقّع أن تؤدي مواقفه السياسية الواضحة وانتقاداته لخروقات حقوق الإنسان والمشاكل الأخرى في الصين إلى اعتقاله. وكان آخر أعماله "بذور عباد الشمس" قد عرض في قاعة "تيت" الشهيرة في لندن عام 2010 ويتكوّن من مائة مليون من بذور عباد الشمس.

لكنها مصنوعة من الخزف وباليد في الصين حيث عمل عليها أكثر من ألف وستمائة شخص لعامين ونصف العام، واستغرق إكمالها سنتين ونصف السنة. واختار وايواي عباد الشمس لأن الشعب الصيني اعتمد على بذوره أثناء سنوات المجاعة تحت حكم ماو، أما المائة مليون فهو عدد مستخدمي الإنترنت في الصين.

المتضامنون مع الفنان وايواي اتخذوا الموسم الفني ذريعة للمطالبة بالإفراج عنه (الجزيرة نت)

سكينة مفتقدة
وانتقدت بعض الصحف الألمانية الواسعة الانتشار، كالسود دويتشيه تسايتونغ، ما أسمته بتعاطف القاعات، وقالت في أحد مقالاتها التي تناولت الحدث الفني والردود حوله إن الاحتجاجات والمسيرات التي قام بها بعض الفنانين الألمان والأوروبيين لبضع ساعات أو أقل أمام السفارة الصينية لن تجدي نفعا.

وأضافت أن على من يريد أن يساعد أن يتظاهر بعزم ويحتج بصورة مستمرة كي يحقق أهدافه، وذكرت ثورات تونس ومصر كمثال يحتذى.

أما عمل وايواي المعروض ضمن "غاليري ويكند" فهو عبارة عن شجرتين ضخمتين امتدت جذوع كل منهما لتخرج من سقف الغاليري الزجاجي والذي يمكن فتحه جزئياً.

كما حفرت في جذع وغصون كل منهما براغ حديدية كبيرة الحجم. وتحيط بالشجرتين جذوع صغيرة بيضاء صنعت من الخزف يزينها خط أزرق نيلي وأشجار عملاقة من صنع الطبيعة وخزف ناعم من صنع الإنسان.

وعلى الرغم من اكتظاظ المكان بالزوار الذين وقفوا ينتظرون دورهم في الدخول إلى معرض وايواي، فإن العمل يترك سكينة في قلب الزائر تذكر بالهدوء الريفي، سكينة لا يعيشها وايواي في سجنه حيث لا تعرف عائلته إلى الآن أين يكون.

ضجيج الرأسمالية
بين ضجيج الموسيقى وخفوت الكلام وجماليات الصورة، تعرض البريطانية الأميركية سارة موريس (مواليد ١٩٦٧ وتعيش في نيويورك) أعمالها من لوحات وأفلام فيديو في غاليري "كابتين بتسيل" ذات طراز الباوهاوس المعماري التي تطل على جادة كارل ماركس في ما كان يعرف سابقاًَ ببرلين الشرقية.

من أعمال الفنانة سارة موريس (الجزيرة نت)
واختارت موريس "جون هانكوك" عنوانا لمعرضها. وهو اسم أول رجل وقّع على إعلان استقلال الولايات المتحدة عام ١٧٧٦، كما أنه الاسم الذي أطلق على واحدة من أكبر ناطحات السحاب في أميركا في مدينة شيكاغو.

وتطل شيكاغو بمعمارها وصخبها على الزائر من لوحات موريس وفيلمها الوثائقي "شيكاغو"، وتأخذ موريس المدينة كحيز تظهر فيه تبعات النظام الرأسمالي على الحياة، فتصور شوارعها وبناياتها ومراكز القوى فيها والرجال والنساء ذوي النفوذ والقوة. لكننا لا نسمع أصواتهم البتة حيث تغطي موسيقى إلكترونية صاخبة للألماني يان يلنيك على كل شيء.

وقالت موريس للجزيرة نت إنها صورت داخل شركات طعام وصحف ضخمة أميركية في شيكاغو تصارع اليوم من أجل البقاء وأرادت في عدستها تثبيت هذه المرحلة بلا كلام لتكون لغة الصور هي الأقوى.

فقراء الهامش
اللافت أن المدينة هي البطل في فيلم موريس، لكن مدنها هي مدن الطبقات الوسطى والغنية، أما الفقراء فلا نراهم إلا كجماعات، غالبا كعمال في مصنع ما، ولا نراهم عن كثب أو نتبين وجوههم. وهكذا يظل الفقراء على الهامش وعند تناول موضوع الانهيار الاقتصادي، فإن المتن هو للشركات العملاقة وليس للأفراد الذين تختفي أصواتهم وتضبب معالمهم.

على الرغم من أن "غاليري ويكند" أنهت احتفالاتها رسميا فإن أغلب المعارض التي افتتحت بهذه المناسبة تستمر لمدة شهر على الأقل. وبالإضافة إلى الأسماء الكبيرة والشهيرة، تستغل قاعات مغمورة ربيع الفن هذا لعرض أعمال كثيرة قد لا تحمل تواقيع المشاهير ولن تباع بمبالغ خيالية لكنها تستحق أن يزورها المرء ويقف أمامها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة