مؤتمر باريس الثلاثي والحرب على العراق   
السبت 3/2/1424 هـ - الموافق 5/4/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

إعداد سيدي أحمد بن أحمد سالم*

عقد في باريس يوم الجمعة الرابع من أبريل/ نيسان 2003 لقاء بين وزراء الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان والألماني يوشكا فيشر والروسي إيغور إيفانوف. وخلال حفل الغداء المنظم بهذه المناسبة اتفق الوزراء الثلاثة على نقطة أساسية هي: الدور المركزي الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في ما يسمى مرحلة ما بعد الحرب في العراق. وانفرد إيفانوف بالدعوة إلى وقف العمليات العسكرية بأسرع وقت ممكن.

ويطرح هذا اللقاء تساؤلات حول مواقف الدول الثلاث: فهل هناك رؤية واحدة حول الحرب الأنغلوأميركية على العراق تجمع الدول الثلاث؟ وهل تقدر روسيا وفرنسا وألمانيا على منع الولايات المتحدة من السيطرة على العراق؟ وهل هناك مبادئ أخلاقية يدافع عنها هذا التنسيق الثلاثي أم أن المصالح الاقتصادية في العراق والتخوف من الحرمان من تقسيم المغانم هي الخلفية التي تؤطر هذا اللقاء؟

إن عرض موقف كل دولة على حدة والوقوف على محدداته قد يساعد في فهم مجريات هذا اللقاء وخلفياته.

الموقف الروسي
الموقف الفرنسي
الموقف الألماني
ازدواجية المواقف

الموقف الروسي

يرتكز الخطاب السياسي الروسي المناهض للحرب ضد العراق على ثلاث نقاط:

  • الإدانة المبدئية للحرب (وهو نفس موقف فرنسا وألمانيا).
  • إدانة التدخل الأنغلوأميركي لوقوعه دون غطاء من الأمم المتحدة.
  • التخوف من أن التدخل الأميركي في العراق سيقود إلى تدخل في باقي دول "محور الشر" أي كوريا الشمالية وإيران.

إيغور إيفانوف

ولم يقتصر هذا الموقف على الجهات الرسمية بل إن الزعيم الإسلامي الروسي تلغت تاج الدين كان قد دعا إلى الجهاد ضد الولايات المتحدة يوم الثالث من أبريل/ نيسان 2003، كما تحدث الإعلام الروسي مرارا عن آثار الحرب على العراق وقتل المدنيين العراقيين وأكثر من ترديد عبارات مثل "غزو العراق" و"قوات الاحتلال"، في إشارة إلى قوات أميركا وبريطانيا.

ويوجد في روسيا ما يناهز 20 مليون مسلم، لذلك لم يكن مستبعدا أن يدين الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته إيغور إيفانوف الحرب على العراق، فبوتين حريص على أن تبقى الجبهة الداخلية غير متأثرة بهذه الحرب، خاصة أن تجديد مجلس الدوما (البرلمان الروسي) سيتم بعد تسعة أشهر من الآن وستكون الانتخابات الرئاسية الروسية منتصف عام 2004.

ويعزز التخوف الروسي من أميركا ما بثته واشنطن من برامج باللغة الشيشانية صوب جمهورية الشيشان عبر أمواج إذاعة أوروبا الحرة، ونشرها مستشاريها العسكريين في جورجيا، وإقامتها قواعد عسكرية في جمهوريات آسيا السوفياتية السابقة حيث ثروات نفط بحر قزوين.

الموقف الفرنسي

دومينيك دوفيلبان
تتمسك فرنسا بثلاثة مستلزمات حددها وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان في حوار لجريدة لوموند يوم 30 يوليو/ تموز 2002 وهي:

  1. المستلزم الإنساني حيال الشعب العراقي.
  2. أمن المنطقة الذي يستدعي عودة المفتشين.
  3. الاستقرار ووحدة العراق وهما عنصران أساسيان للوضع في الشرق الأوسط عموما.

ويرى المحللون أن هناك أسبابا عميقة تدفع فرنسا إلى الالتزام بهذه المستلزمات وهي:


  • تتخوف فرنسا من انعكاس الحرب ضد العراق على البناء الاجتماعي الفرنسي خاصة أن فيها خمسة ملايين مسلم و700 ألف يهودي
    منذ بداية الأزمة في العراق دخلت فرنسا في تنسيق دبلوماسي مع ألمانيا وبلجيكا وربما هولندا، مما يوحي برغبة باريس في بناء اتحاد أوروبي قوي مستقل عن أميركا وممكن أن يتم دون بريطانيا.
  • استحوذت أميركا على عقود البناء والتسلح في الخليج بعد حرب عام 1991، لذلك لا تريد فرنسا المشاركة في حرب لن تعود عليها بفوائد.
  • تتخوف فرنسا من انعكاس الحرب ضد العراق على البناء الاجتماعي الفرنسي، خاصة أن فيها خمسة ملايين مسلم و700 ألف يهودي.
  • يحكم فرنسا في الوقت الراهن حزب ديغولي، وتجد باريس في التقاليد الديغولية نزوعا إلى إظهار الاستقلالية عن أميركا.

الموقف الألماني

يوشكا فيشر

يتأسس موقف ألمانيا من رفضها لحرب الخليج على اعتبارات منها:

  • ظلت ألمانيا ولمدة طويلة تمول عمليات تقررها أميركا، ولم تعد برلين في ظل تلاشي محور وارسو منذ عام 1990، مجبرة على تحمل أعباء عمليات تُقررها واشنطن.
  • تتخوف ألمانيا من انعكاسات الحرب على اقتصادها المتأزم.
  • لم تعد برلين بحاجة ماسة إلى المظلة الأميركية، خاصة أن أوروبا الشرقية بدأت تتقدم لدخول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
  • تشكل المسألة العراقية فرصة لألمانيا لإسماع صوتها وإثبات استقلالية قراراتها، ولتدعو أيضاً إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب وتتمسك بدور أوروبي حقيقي لا ينحصر فقط في التمويل بعد الحسم العسكري.

ازدواجية المواقف

من الملاحظ أن الدول الثلاث رغم ما تبديه من معارضة للحرب على العراق فإنها لا تذهب في تلك المعارضة إلى أقصى حد، وإنما تبطن نوعا من المرونة تجاه الولايات المتحدة.


حصلت روسيا على مليار دولار من برنامج "النفط مقابل الغذاء" في العراق، وتبلغ عقود شركاتها النفطية مع بغداد 30 مليار دولار، ولذلك فهي لا تريد أن تخرج خالية الوفاض من غنائم العراق

روسيا
- إذا كان هناك تنديد بالحرب فهناك أيضا التزام روسي بضرورة الحفاظ على تعاون اقتصادي خاص مع واشنطن. ولذلك صرح الرئيس بوتين يوم الثالث من أبريل/ نيسان الجاري أنه "لأسباب سياسية واقتصادية فليس لروسيا مصلحة في هزيمة الولايات المتحدة بالعراق".

- نفت موسكو ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست يوم 20 مارس/ آذار الماضي من أن هناك اتهاما أميركيا لثلاث شركات روسية قالت إنها تبيع أسلحة ومعدات عسكرية إلكترونية.

- تستعد روسيا لمؤتمر يجمع الرئيسين الروسي والأميركي أواخر مايو/ أيار المقبل بمدينة سان بطرسبورغ، وهو مؤتمر سيتزامن مع تخليد هذه المدينة العريقة لذكرى مضي 300 سنة على تأسيسها. وسيتم هذا اللقاء الروسي الأميركي بعيد مؤتمر قمة الثمانية (G8) الذي سيعقد في مدينة إيفيان الفرنسية منتصف الشهر المقبل.

- يزيد من حرص روسيا على عدم معارضة واشنطن في حربها على العراق أن تصريحات المسؤولين الأميركيين مثل كولن باول وكوندوليزا رايس تؤكد أن لا دور للأمم المتحدة في تسيير عراق ما بعد الحرب. وموسكو التي حصلت على ما يناهز مليار دولار من برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي أشرفت المنظمة الدولية على تنفيذه في العراق منذ 1996، كما تناهز عقود شركاتها النفطية مع العراق 30 مليار دولار، لا تريد أن تخرج خالية الوفاض من غنائم العراق.

فرنسا
- قررت باريس يوم 22 مارس/ آذار الماضي إرسال فريق إلى العاصمة القطرية متخصص في إزالة التلوث النووي والكيميائي والبيولوجي لحماية قطر تحسباً لقصف عراقي. ومعلوم أنه يوجد في قطر قاعدة السيلية مقر قيادة العمليات العسكرية الأميركية.

- اقترحت فرنسا عقب التزام دول حلف شمال الأطلسي بالدفاع على تركيا في حال تعرضها لهجوم، تزويد أنقرة بمعدات لحمايتها من هجوم عراقي غير تقليدي محتمل. وأعلنت كذلك أنها ستساعد أميركا وبريطانيا إذا استخدم العراق أسلحة كيماوية أو بيولوجية ضد قواتهما.

ألمانيا
- ألمانيا منخرطة في التحرك الأطلسي الاحترازي، وقد أرسلت بطاريات صواريخ باتريوت إلى إسرائيل.

ختاما فإن التنسيق الدبلوماسي الثلاثي بين روسيا وفرنسا وألمانيا -مهما أخذ من أبعاد- محكوم بشروط سياسية واقتصادية وإستراتيجية ستظهر مع مرور الزمن.
_______________
* قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت
1 - عبد النور بن عنتر: محور باريس-برلين.. المحددات والتطورات
2 - Vladimir Poutine est contraint au grand écart
3 - M. Schröder veut accroître les capacités militaires de l'UE
4 - اجتماع دوفيلبان وإيفانوف وفيشر
5 - أرشيف الجزيرة نت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة