الدراما التونسية.. تطور كمي وأزمة نص مستمرة   
الجمعة 1434/10/17 هـ - الموافق 23/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:01 (مكة المكرمة)، 10:01 (غرينتش)
الممثل هشام رستم في مسلسل "يوميات امرأة " الذي عرض برمضان (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
شهدت الدراما التونسية هذا العام حراكا ملحوظا تمثل في إنتاج عدد أكبر من المسلسلات ومحاولة مقاربة مواضيع جديدة واقتحام مخرجين سينمائيين لهذا المجال مثل خالد البرصاوي ومراد بالشيخ وإبراهيم لطيف. وتميزت بعض الأعمال بالجودة على مستوى الصورة والآداء لكن ضعف النصوص والسيناريو يراه النقاد معضلة مستمرة.
 
وبفعل زيادة عدد القنوات التلفزيونية وشركات الإنتاج والانفتاح السياسي الملحوظ بدا أن العاملين في القطاع من ممثلين ومخرجين وتقنيين قد وجدوا مجالا أكبر للعمل، كما وجد المشاهد تنوعا نسبيا على مستوى الطرح، إذ حاولت بعض الأعمال مقاربة الوضع السياسي والاجتماعي لما بعد الثورة، وتعرضت لمشاكل الفقر والبطالة والفساد والتطرف بدرجات متفاوتة.
 
وفي السنوات الماضية كان الإنتاج يقتصر على مسلسلين أو ثلاثة على القنوات الحكومية، بما يعني تغييب عدد كبير من الممثلين والتقنيين والعاملين في القطاع عن المشهد الدرامي وحصر المشاهد في مواضيع مستهلكة إضافة إلى سطوة الرقابة التي لا تتيح  للمبدعين تقديم الواقع الاجتماعي والسياسي كما هو.

المخرج مراد بالشيخ: قضية السيناريو في الأعمال الدرامية التونسية قضية مزمنة ولا بد أن تؤخذ بجدية (الجزيرة)
تجربة يبنى عليها
يرى مراد بالشيخ مخرج مسلسل "يوميات امرأة" أن الدراما التونسية هذا العام قدمت أعمالا جيدة، ويرى أن تجربته كانت ناجحة رغم العراقيل التي تعرض لها وما سماه اللوبي الذي يشتغل في مؤسسة التلفزيون التونسي والذي سبب له مشاكل قبل الشروع في تصوير عمله. وقال مراد بالشيخ إنه على استعداد لإعادة التجربة إن توفرت النصوص الجديرة بتنفيذها والظروف الصحية للعمل بعيدا عن التسرع.
 
ويلتقي بالشيخ مع خالد البرصاوي مخرج مسلسل "الأيام" الذي يعتبر أن حضور السينمائيين في التلفزيون ليس جديدا، كما يرى أن ما قدم هذا العام فيه الغث وفيه السمين ككل الأعوام السابقة.
 
وبدا بالشيخ غير راض كثيرا على السيناريوهات المقدمة، ويعتبر أن قضية السيناريو قضية مزمنة في تونس ولا بد أن تؤخذ بجدية وأن قبول السيناريوهات بالتلفزيون لا بد أن يكون وفق رؤية واضحة تضمن جودة العمل في جميع مراحله من الفكرة إلى السيناريو.
 
ويرى المخرج المسرحي والممثل منير العرقي -رغم مشاركته في أحد المسلسلات- أن الأعمال خيبت آمال المتفرج التونسي وأن الإخفاق كان واضحا فلم نظفر إلا بمزيد من العنف وكان الضحك هو الضحية الأولى لصوت الرصاص والصراخ -في بعض الأعمال- ويثمن العرقي ما قدمه المخرجون السينمائيون من جماليات في مستوى الصورة.
 
 يونس الفارحي: الدراما التونسية في حاجة إلى رجل مثل طلعت حرب يراهن على الفن والثقافة للارتقاء بالإنسان (الجزيرة)
السطحية وأزمة النصوص
الممثل يونس الفارحي -أحد أبطال الدراما الرمضانية لسنوات- يرى أن المسلسلات هذا العام قد تراجعت، ولم تقدم جديدا ولم ترتق إلى مستوى التجربة، بل إنها حرمت من أن تحلم بذلك لاختزالها في الأعمال الرمضانية، كما شهدت ضعفا في مستوى النصوص.
 
وفي الوقت الذي اعتبر البرصاوي أن الأعمال كان لها ككل عام جمهورها الذي يتابعها وهو المؤشر على نجاح تلك التجارب، يرى الفارحي أن المشاهد التونسي ليس له اختيارات كبرى لذلك يتابع ما ينتج في رمضان رديئا كان أو جيدا، فهو متعطش للأعمال التونسية وإن كان بعد متابعة بعض الحلقات يضطر إلى الهروب نحو دراما عربية أخرى أكثر احترافا ربما ومنتجة في ظروف أفضل من نظيرتها التونسية.
 
ولا تبتعد الصحفية والممثلة سامية العياري -إحدى بطلات الأعمال الدرامية في السنوات السابقة- عن هذا الطرح، وترى أن المشترك بين الأعمال الدرامية هذا العام هو ضعف السيناريوهات وسطحيتها.
 
هذه السطحية يرجعها الفارحي -الذي حقق نجاحا في السنوات الماضية من خلال مسلسل "نسيبتي العزيزة" وأعمال أخرى- إلى كون الدراما التونسية أسيرة منطق الموسمية الرمضانية، وهو ما لا يسمح لها بالتطور.
 
ويؤكد أن المواضيع التي تناولتها المسلسلات هذا العام وقع مقاربتها بشكل سطحي جدا فمعظم الأعمال عالجت مشكلة التطرف، لكن لا أحد في الحقيقة حاول أن يبحث في أسباب هذه الظاهرة فسقطنا في "كليشيات" الإرهابي والمتطرف دون أن نمضي عميقا في بناء شخصية المتطرف.

وينسحب هذا -كما يقول- على موضوع "الزواج العرفي"، وهذا راجع إلى كون كاتب السيناريو يريد أن يقول كل شيء في عمل واحد وكأنه عمله الأول والأخير.

منير العرقي: أزمة النصوص يمكن معالجتها بالالتفات إلى الأدب التونسي والعالمي والاقتباس منه (الجزيرة)

رهان الثقافة
ويعتقد الفارحي أن النجاح تواصل مع الكوميديا الذكية التي أثبتت أنها قريبة من المشاهد العادي دون إسقاطات كبرى إن كان ذلك في مستوى الأفكار المستوردة أو في مستوى حتى التقنيات الاستعراضية، فبعض الأعمال بدت تستنسخ تجارب غربية متطورة وهوليودية أحيانا بأفكار لا تتماشى معها.

وعن أسباب الإخفاق يرى الفارحي أنه على مؤسسة التلفزيون التونسي أن تقيم ورشات حقيقية للسيناريو بالاستعانة بخبراء لكي نحصل على جيل جديد من كتاب السيناريو كما أن الحاجة ماسة لظهور حركة نقدية موازية تناقش بحرفية تلك الأعمال لتتقدم التجربة.

وربما تكون الدراما التونسية -كما يقول الفارحي- في حاجة إلى رجل مثل طلعت حرب (رجل الاقتصاد والمفكر المصري الشهير ومؤسس بنك مصر وشركة مصر للتمثيل والسينما) في مصر يراهن على الفن والثقافة للارتقاء بالإنسان.

وفي ظل هذا الضعف على مستوى القصص والسيناريوهات المقدمة، يقترح المخرج منير العرقي، أن يقع الالتفات إلى الأدب التونسي والعالمي قصة ورواية ومسرحية لاقتباس بعض الأعمال الجيدة كما سبق وفعل هو للمسرح مع سمير العيادي وباتريك سوسكيند وعبد القادر اللطيفي وبهذا نضمن الجمهور والنص الجيد.

كما يرى ضرورة الشروع في العمل أكثر على المسلسلات قبل مدة من شهر رمضان لأن التسرع كان أحد أسباب ضعف هذه الأعمال التي لم تراجع نصوصها بشكل جاد لإصلاح ما يمكن إصلاحه فيها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة