مقبرة توت عنخ آمون بمعرض باريسي   
الجمعة 20/6/1433 هـ - الموافق 11/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:31 (مكة المكرمة)، 14:31 (غرينتش)
جانب من محتويات مقبرة توت عنخ آمون خلال المعرض (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
لا يعد معرض "توت عنخ آمون –مقبرته وكنوزه" الذي انطلق حديثا في "قصر الرياضة" بباريس  مجرد معرض آخر حول هذا الفرعون الشهير الذي حكم مصر بين عامَي ١٣٣٣ و١٣٢٣ قبل الميلاد وتوفي في سن الثامنة عشرة في ظروفٍ غامضة. فالقطع المعروضة فيه وطريقة ترتيبها تسمح باكتشاف مقبرة هذا الفرعون وكنوزه الأسطورية تماما كما اكتشفها عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر للمرة الأولى.
 
وأفلتت مقبرة توت عنخ آمون من عمليات النهب، التي تعرّضت لها مقابر الفراعنة على مر الزمن، وبقيت مطمورة في وادي الملوك فترة ٣٣٠٠ سنة، قبل أن يعثر كارتر عليها عام ١٩٢٢. وكان يجب انتظار سبع سنوات إضافية من البحث والتنقيب، كي يتمكّن هذا العالِم وفريقه من دخول الغُرف الجنائزية، حيث كانت مومياء الفرعون وكنوزه في انتظارهم.
 
تابوت توت عنخ آمون الذي يزن 110 كيلوغرامات من الذهب  الخالص (الجزيرة)
أبعاد ثلاثية
ونظرا إلى ثقلها أو هشاشتها أو صعوبة نقلها بدون إتلافها، لم تخرج معظم القطع الأصلية التي تتألف منها هذه الكنوز من مصر، وبالتالي لا يمكن تأمّلها إلا في موقعَين مصريين متباعدين هما متحف القاهرة ووادي الملوك.

ولتجاوز هذه العقبة وجمع هذه القطع داخل فضاء واحد وحل مسألة نقلها، لجأ منظمو المعرض الحالي إلى نُسخ طبق الأصل من المقبرة ومحتوياتها تم تشكيلها بأبعاد ثلاثية تمنح المتأمّل فيها شعورا واقعيا مدهشا وتشكل اختبارا في غاية الإثارة.
 
لكن أهمية هذا المعرض الذي تنقّل في مدنٍ أوروبية وآسيوية عديدة قبل وصوله إلى باريس، لا تكمن فقط في تمكين عدد كبير من الناس من مشاهدة محتويات مقبرة توت عنخ آمون الأسطورية، بل أيضا في عملية ترتيب هذه المحتويات كما عُثِر عليها داخل المقبرة المذكورة، وبالتالي في إعادة تشكيل فضاء وهندسة هذه المقبرة بهدف منح الزائر إحساسا واقعيا بالحالة التي واجهها كارتر وفريق عمله لحظة دخولهم للمرة الأولى إليها.

ويشدّنا المعرض بجانبه التربوي القائم على إعادة تكوين الظروف التي تم فيها دفن الفرعون الشاب، وتلك التي تم فيها اكتشاف مقبرته، بغض النظر عن مسألة أصالة القطع المعروضة وإطارها. وفي هذا السياق، تمت الاستعانة بعدد كبير من العلماء بآثار مصر وبالنصوص التي كتبها كارتر حول هذه العملية وبمجموعة الصور التي التقطها مصوّر البعثة آنذاك، هاري بورتون، كما تمت الاستعانة بأهم الحرفيين المصريين لإعادة تشكيل ثلاث غرف جنائزية وأكثر من ألف قطعة كانت مرصودة لمرافقة الفرعون الشاب في سفره إلى العالم الآخر.

جانب من محتويات المعرض (الجزيرة)

قطع مهمة
ومن القطع المهمّة التي يمكننا مشاهدتها في المعرض عربة الفرعون الحربية المغطاة برقائق ذهبية والمرصّعة بالأحجار الكريمة، والسرير الطقسي المزيّن برأسَي لبؤة، وكرسي عرش توت عنخ آمون الذي صُنع خصيصًا له وهو لا يزال في سن التاسعة، وقناعه الذهبي الشهير الذي كان يغطي رأس المومياء المكفّنة في تابوتها ويزن أصلاً ١١ كيلوغراما.

كما تشمل المعروضات تابوتا لتوت عنخ آمون على شكل مومياء مصنوعا من الذهب الخالص يزن ١١٠ كيلوغرامات، وتابوتين على شكل مومياء من الخشب المغطى برقائق ذهبية والمطعّم بأحجار نصف كريمة وعجائن زجاجية ملوّنة، وتابوتا آخر من الكوارتز بغطاء من الغرانيت، ومجوهرات الفرعون وتماثيل له وأخرى لآلهة مصر القديمة، وتوابيت أطفاله الذين وُلدوا أمواتا وأربع مقاصير خشبية مطلية بالذهب بأحجام متفاوتة.

ومع أن النواويس والصناديق كانت مغلقة لدى اكتشاف المقبرة، فقد قررت لجنة المعرض العلمية عرضها مفتوحةً وعدم إخفاء الغرفة الجنائزية خلف مذبحٍ كبير، كما في الأساس، كي يتمكّن الزائر من رؤية فضائها ومحتوياتها. أما القطع التي كانت موضوعة أصلاً داخل علب وصناديق فتُعرَض كل واحدة على حدة بهدف إظهار غنى كنوز مقبرة توت عنخ آمون وكشف مضمونها كاملا.

ويسمح المعرض بقطعه التي لا تحصى وعملية إخراجها، بتخيّل ما كانت عليه حياة هذا الفرعون وبتشكيل فكرة دقيقة عن الظروف والتجهيزات التي استبقت أو رافقت موته. ومن خلال ذلك، يساهم بقوة في التعريف بإرث مصر القديمة الفنّي والثقافي والديني المثير وفي تبديد بعض الغموض الذي يلفّ هذه الحضارة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة