حبوب السم لصناعة الدواء   
الاثنين 20/3/1435 هـ - الموافق 20/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)

محمد زمان

لا يحتاج المرء إلى أن يقضي عمره في قطاع العناية الصحية العالمية حتى يعرف أن الأدوية دون المستوى المطلوب والمزيفة تعتبر خطرا رئيسيا على الصحة العامة. إن هذه المنتجات المزيفة قد اخترقت إمدادات الأدوية من أذربيجان إلى زامبيا، مما يقوض أكثر البرامج الطموحة والتي تهدف إلى التحكم بالأمراض المميتة وإدارتها والقضاء عليها. وعلى الرغم من ذلك كله فإن القليل من الجهد يبذل من أجل إيقاف مثل هذه الأنشطة الإجرامية.

لقد أدركت بفضل نشأتي في باكستان مدى أهمية أن تعرف أمي -مثل أي والد أو والدة يتمتعان بالتعليم- الأدوية والصيدليات التي يمكن الوثوق بها، علما أنه لم يتغير الكثير منذ ذلك الوقت. إن الصيادلة المحليين من لاهور إلى لوساكا يستمرون في بيع تشكيلة من العلامات التجارية للدواء نفسه وبأسعار مختلفة، كما يتم الطلب من أصحاب المحلات التجارية إعطاء رأي صريح بفوائدها وعيوبها.

وللأسف، فإن المشكلة هي أعمق بكثير من بضعة أدوية رديئة يتم بيعها في صيدلية عند زاوية الطريق، إذ يتم بيع ما قيمته 75 بليون دولار أميركي تقريبا من الأدوية دون المستوى المطلوب سنويا، مما يتسبب بحوالي مائة ألف وفاة عالميا، ويؤدي إلى أمراض خطيرة للعديد من الناس.

القضية أكبر من أدوية مزيفة فقط، إذ إن هناك العديد من المصنعين الشرعيين في العالم يفتقدون آليات كافية للتحكم بالجودة، وذلك قد يكون عائدا للاستهتار أو انعدام الكفاءة، وفي بعض الحالات فإن أنظمة التخزين والتبريد المعيبة تحول الأدوية الآمنة إلى مواد خطيرة

انتقال عبر الأجيال
إن تجارة الأدوية الرديئة تقوض كذلك أنظمة الصحة العامة الهشة في الدول الفقيرة، وإضافة إلى قتل المستهلكين فإن تأثيرات الأدوية يمكن أن تنتقل من الوالد أو الوالدة للطفل، وقد تصل إلى خلق سلالات أمراض جديدة مقاومة للأدوية، مما يهددنا جميعا.

على الرغم من ذلك كله لم يتم التعامل بجدية مع الأدوية دون المستوى المطلوب مقارنة بالأزمات الصحية العالمية الأخرى مثل الملاريا أو فيروس نقص المناعة المكتسب "الإيدز" أو وفيات الرضع، وربما السبب وراء ذلك عدم وجود حل واضح.

ولكن ونحن نبحث عن الأجوبة يتوجب علينا الإقرار بأن القضية أكبر من أدوية مزيفة فقط، إذ إن هناك العديد من المصنعين الشرعيين في العالم يفتقدون آليات كافية للتحكم بالجودة، وذلك قد يكون عائدا للاستهتار أو انعدام الكفاءة، وفي بعض الحالات فإن أنظمة التخزين والتبريد المعيبة تحول الأدوية الآمنة إلى مواد خطيرة.

وللأسف، فإن مصنعي الأدوية هؤلاء يستغلون التشريعات الضعيفة في الدول النامية أو سوء التطبيق لتلك التشريعات فيها، إضافة إلى المسؤولين الفاسدين من أجل تمرير منتجات من خلال سلسلة التوريد المحلية لتصل إلى المحلات، إن جهل العامة وعدم اكتراثهم يعني أن أولئك المسؤولين عن ذلك يتمكنون من تجنب المساءلة.

نفقات مرتفعة
إن العديد من الدول النامية لا يمكنها تحمل نفقات الخبرة التقنية والمعدات الضرورية لاكتشاف المنتجات المعيبة، ولكن هناك بدائل قليلة الكلفة، فعلى سبيل المثال أحد تلك الأساليب هو وضع رمز على العبوة يمكن كشطه بحيث يتضمن رقم هاتف، وذلك حتى يتسنى للمستهلكين الاتصال من أجل التأكد من أن رقم الدفعة يتوافق مع المنتج الأصلي. ولكن بينما يساعد هذه الأسلوب على اكتشاف التزوير فإنه لن يكتشف المنتجات دون المستوى او الرديئة التي تنتجها الشركات الشرعية والتي يختبرها المستهلك فقط والتي تنطوي على مخاطر كبيرة.

وعليه، فإن من الضروري تطوير تقنيات كشف جديدة يتم تطبيقها في الدول الأفقر والتي تكمل الأنظمة الحالية مثل الرمز الشريطي. إن تقنية الكشف يجب أن تكون قادرة على تحليل جميع أشكال الدواء، سواء كان على شكل بودرة أو كبسولة أو حبة أو شراب، وأن تكون قادرة على كشف درجات مختلفة من الجودة وليس فقط الأدوية الرديئة، ويجب أن تكون تلك التقنية بسيطة وبأسعار معقولة وقابلة للتكيف ويمكن تطويرها، كما يجب أن تعمل أثناء جميع مراحل التوزيع، سواء عند الجمارك أو المستشفيات أو القرى النائية.

التقنية وحدها لن تكون كافية لمواجهة غش الدواء، فالجهات التنظيمية والمستشفيات وهيئات سلامة الدواء يجب أن تتبوأ دورا قياديا بدلا من تحميل العبء للمواطنين والذين عادة ما يكونون فقراء وغير متعلمين ويكافحون من أجل العناية بأحبائهم

لكن التقنية وحدها لن تكون كافية، فالجهات التنظيمية والمستشفيات وهيئات سلامة الدواء يجب أن تتبوأ دورا قياديا بدلا من تحميل العبء للمواطنين والذين عادة ما يكونون فقراء وغير متعلمين ويكافحون من أجل العناية بأحبائهم.

حلول جديدة
إن البحث عن حلول جديدة ومستدامة يتطلب ثلاث مبادرات، أولا: يتوجب علينا تشجيع الابتكار عن طريق تقديم منح بحثية لدعم المبادرات الصغيرة أو المشاريع الكبيرة، مثل الحملات لمكافحة مرض نقص المناعة المكتسبة والملاريا ووفيات الأمهات. إن الحل الأمثل هو وجود مجموعة دولية تقوم بتطوير وتنسيق جميع الأفكار والمنتجات بحيث يتم نقلها من المختبر إلى أرض الواقع.

ثانيا: نحتاج إلى استخدام إبداع والتزام الطلاب الشباب، وذلك حتى يتسنى لهم فهم التأثير المدمر للأدوية الرديئة بحيث يعطيهم ذلك الدافع لمحاولة أحداث فرق في حياة الناس.

ثالثا: يجب أن نستخدم وسائل الإعلام، وبينما يضج العالم بالصراخ عندما يتم اكتشاف شحنة غير قانونية من العاج يتوجب علينا عمل حملات في الصحافة والتلفاز والإنترنت لمحاسبة أي تاجر أو مسؤول حكومي أو شركة متورطة في بيع أدوية منخفضة الجودة.

وبهذه الطريقة سوف نذكر أولئك الذين يعملون في هذه الصناعة بافتراض أساسي، وهو أن أثمن منتج لديهم ليس هو الدواء الذي يتمتع بنجاح منقطع النظير بل ثقة الناس، وإذا لم يستطع صناع الأدوية والصيادلة حماية صحة مستهلكيهم فإنهم لن يتمكنوا من حماية أعمالهم التجارية.
---------------
* محمد زمان مدير مختبر الديناميكية الجزئية والخلوية في جامعة بوسطن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة