أهوار العراق.. إلى متى المعاناة ومتى الإنقاذ؟   
الاثنين 1436/11/24 هـ - الموافق 7/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:29 (مكة المكرمة)، 12:29 (غرينتش)

د. وحيد محمد مفضل*

منذ أكثر من عشر سنوات، نشرت في الجزيرة نت مقالا مطولا بعنوان: "هل تحل ديمقراطية بوش مشاكل أهوار العراق؟"، يناقش حالة أهوار العراق البيئية ومدى مصداقية السياسات الأميركية ووعود الرئيس الأميركي بوش الابن وديمقراطيته المزعومة آنذاك بإصحاح وإصلاح ما أفسده نظام صدام حسين فيها، وتحويلها إلى جنة عدن، كما كانت في السابق.

الآن، وبعد عقد كامل من الزمان وأكثر، ماذا جد على منطقة الأهوار؟ هل تحسن وضعها البيئي العام؟ وهل شهدت مساحتها المائية والزراعية الطفرة المزعومة؟ وهل تحققت الوعود والتعهدات الصادرة بشأنها، أم أنها ذهبت أدراج الرياح، كما ذهبت بقية وعود بوش الابن الأخرى؟

الأهوار.. ثراء وتراث
والأهوار -لمن لا يعرف- عبارة عن مجموعة من الأراضي الرطبة أو المسطحات المائية الخلابة يغذيها أساسا نهرا دجلة والفرات، وتمتد في جنوب العراق على شكل مثلت بين مدن العمارة بمحافظة ميسان والناصرية بمحافظة ذي قار والبصرة بالمحافظة ذاتها.

خارطة للعراق توضح مواقع الأهوار (الجزيرة)

وهي تتكون من ثلاثة أهوار رئيسية: هور الحويزة الذي يمتد بين حدود العراق وإيران، والأهوار الوسطى التي تمتد كرقعة مائية متصلة بين محافظات العراق الجنوبية، بينما يمتد الهور الثالث -هور الحمَّار- بين محافظتي البصرة وذي قار.

وهذه المسطحات -التي تشتهر بكونها جنات عدن القديمة- تمتاز بنظام بيئي ثري وبتنوع بيولوجي منقطع النظير، حيث تعد موطنا لعشرات الأنواع من الطيور النادرة المستوطنة مثل طائر أبو منجل المقدس، كما تعد نقطة استراحة وتوقف لآلاف الطيور المهاجرة بين سيبيريا وأفريقيا.

كما تمتاز منطقة الأهوار كذلك بمناخها الصالح لزراعة بعض المحاصيل كالأرز، فضلا عن ثرائها بأنواع عديدة من البوص والنباتات المائية والحيوانات المستوطنة، وعن وفرة محصولها السمكي إلى الحد الذي كانت تمد فيه العراق يوما ما بأكثر من نصف احتياجاته من الثروة السمكية.

وتحظى الأهوار كذلك بتراث إنساني وثقافي عريق، حيث يقطنها عرب الأهوار أو ما يعرف بإنسان المعدان، المعروف بكونه أحد أقدم السلالات البشرية على وجه الأرض، فضلا عن وجود اعتقاد بأن الحضارة السومرية القديمة قد بزغت وتشكلت قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد في تلك المنطقة.

وبسبب كل هذا، تم تصنيفها يوما ما على أنها أحد أهم مراكز التنوع الأحيائي على مستوى العالم، كما كانت أيضا قريبة للغاية من الانضمام إلى لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، وهذا قبل أن تتدهور فيها الأحوال، وتخرج تماما من الترشيحات.

أسباب التدهور
على الرغم من كل هذا الثراء البيئي والتاريخ الإنساني العريق، فإن الأهوار -خاصة الوسطى- تتعرض منذ فترة طويلة، وتحديدا منذ منتصف السبعينيات، لألوان شتى من الإهمال والتبديد، إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه الأهوار مهددة حاليا بالزوال أو الاختفاء التدريجي.

وتتنوع أسباب هذا التراجع بين أسباب تاريخية وأسباب خارجية وأخرى داخلية. وتتمثل الأسباب التاريخية في ممارسات الأنظمة التي كانت تحكم العراق سابقا، يتساوى في ذلك ما جرى في عهد صدام حين تم تجفيف أجزاء كبيرة بغرض وقف حركة التمرد التي انتشرت بالمنطقة في أوائل التسعينيات، مع مطامع وبرجوازية الحاكم الأميركي للعراق بعد سقوط نظام صدام، والذي سخر كل جهوده واهتماماته للسيطرة على مقدرات العراق وتسهيل مهمة شركات النفط في الحصول على امتيازات في الأهوار وفي غيرها من المناطق العراقية.

أما الأسباب الخارجية فتتمثل في إقامة عدد من السدود في كل تركيا وسوريا، ووقفت بالتالي تدفقات المياه الواردة عبر روافد الأنهار والمجاري المائية، التي تمثل بالنسبة لها شريان حياة، فضلا عن قلة تساقط الأمطار وشح المياه بسبب زيادة الجفاف.

سائحان روسيان يجوبان منطقة الأهوار
في البصرة (رويترز)

وهناك أيضا أسباب داخلية أسهمت هي الأخرى في تدني حالة الأهوار، أهمها ضعف اهتمام الحكومات والوزارات العراقية المعنية بحماية الأهوار من التجاوزات والمخالفات البيئية المتمثلة في استمرار تجفيف أجزاء منها بحجة إقامة مشروعات سياحية وتنموية، واستمرار صرف الملوثات والمخلفات الصناعية القادمة مع مياه الأنهار ونواتج الصرف الصحي فيها بشكل مباشر ودون معالجة أولية أو ثانوية.

ويضاف إلى هذا عدم التنسيق بين الوزارات والمحافظات المعنية بإدارة الموارد المائية للأهوار، حيث تكررت على سبيل المثال شكوى محافظة ذي قار من تجاوز المحافظات المجاورة لها على حصة المحافظة المائية من نهر الفرات.

ناهيك عما يشاع عن وجود شبهات فساد في إدارة مشاريع تنمية منطقة الأهوار، حيث تم مثلا حفر عدد من البحيرات الصناعية في أهوار الجبايش بمحافظة ذي قار بهدف إعادة الحياة الفطرية والبرية إليها، بيد أن تصميم هذه البحيرات تم بطريقة غير مناسبة مما أحالها إلى ترع نتنة ولا تنساب فيها المياه، بحسب ما أفاد به عدد غير قليل من سكان المنطقة.

التداعيات
أسهمت العوامل السابقة في تدني حالة الأهوار البيئية وارتفاع مستوى التلوث المائي ونسبة الملوحة فيها بشكل لافت، مما أدى إلى انتشار الأمراض مثل جدري الماء، وتكرار حالات نفوق الأسماك والحيوانات المائية والبرية التي تقتات وترعى في أحراش ونباتات الأهوار.

كما انخفضت مناسيب الأعماق في أجزاء كبيرة منها لأقل من متر، بينما تقلصت مساحتها الكلية لأقل من 10% من المساحة التي كانت عليها في بداية السبعينيات، بما يعني تحول مساحات كبيرة منها إلى أراضي بور وصحراء جرداء. وقد تسبب هذا على سبيل المثال في هجرة أكثر من 80% من مربي الجاموس من الأهوار الوسطى بمحافظة ذي قار.

كانت منطقة الأهوار تمد العراق بأكثر من نصف احتياجاته من الثروة السمكية (الجزيرة)
وبحسب أحد الدراسات الحديثة، فإن إجمالي مساحة الأهوار كانت تبلغ أواخر عام 2003 نحو 1900 كيلومتر مربع فقط، ثم زادت في عام 2005 إلى نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع، لتعود وتبدأ مرحلة جديدة من التقلص والانحسار منذ عام 2009، بسبب شح المياه، لتصل حاليا إلى أقل من 2500 كيلومتر مربع.

يتضح -إذن- من مراجعة هذه الأرقام، وكل ما سبق من معطيات، أن الأهوار ما زالت تعاني من المشكلات نفسها التي كانت عليها أواخر عهد صدام، وأبرزها التقلص وتدني جودة المياه وتنوعها الأحيائي، اللهم باستثناء الفترة التي تلت عهد صدام، وتحديدا من عام 2004 إلى 2008، حيث ظهرت خلالها أكثر من مبادرة ومشروع لتنمية المنطقة من قبل أكثر من منظمة دولية وجامعة غربية، أسهم بعضها في زيادة مساحة الأهوار المائية والزراعية بشكل جزئي.

لكن هذا التحسن لم يكن في الأساس بسبب نجاعة هذه المبادرات أو بسبب جدية الحاكم الأميركي أو الحكومات العراقية المتعاقبة في إصحاح وضع الأهوار وحل مشاكلها، بل كان لسبب آخر مختلف تماما عن هذا، ويتمثل في تدمير سكان المنطقة عمدا عددا من السدود التي بناها صدام بغرض منع تدفق المياه إلى الأهوار، فضلا عن زيادة تساقط الأمطار والثلوج في الشمال على غير العادة. وفي كل الأحوال، فقد كان هذا التحسن وقتيا، سرعان ما عادت بعده الأهوار تأن ثانية بسبب استمرار مسببات التدهور والتداعي.

ترى إذا كان هذا هو حال أهوار العراق -جنة عدن القديمة- في ظل عقد كامل من الوعود الزائفة والإدارة الفاشلة لمواردها المائية والبيئية، فكيف ستكون حالها إذن بعد عقد آخر إضافي يبدو فيه مستقبل العراق أقرب للتقسيم والتشرذم، ويبدو فيه مستقبل المنطقة ككل أقرب إلى شح المياه وزيادة الجفاف؟

_____________
* باحث وكاتب في الشؤون العلمية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة