"بروق الحنين".. متاهة السياسي وأسئلة الثقافي   
السبت 21/1/1435 هـ - الموافق 23/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)
الفيلم الوثائقي "بروق الحنين" للمخرج مجدي كامل أنتجته وعرضته قناة الجزيرة (الجزيرة)
محمد نجيب محمد علي-الخرطوم
 
بنزعة إنسانية وعاطفية لا تخفى تستحضر ذاكرة موشومة بالشوق، يتناول الفيلم الوثائقي "بروق الحنين" للمخرج السوداني وجدي كامل قضية انفصال جنوب السودان عن السودان، ويوثق لها عبر إفادات متنوعة لشخصيات شعبية ورسمية وثقافية.
 
ويستخدم المخرج الأرشيف المصور في الفيلم، ويستفيد من كل التقنيات الإبداعية والفنية في تشكيل الصورة السينمائية الحية، والصادمة التي تبرز عمق ما حدث بحثا عن وعي جديد للحدث التراجيدي، وقد أثار العمل غضب البعض في جنوب السودان بينما أشعل دموع غالبية السودانيين.
 
ويقول المخرج السينمائي الطيب مهدي للجزيرة نت إن الفيلم -الذي أنتجته وعرضته قناة الجزيرة- يفتح بابا عصيا عن هموم بلد واحد أصبح بلدين وعن شعب واحد أصبح شعبين، وهو يستنطق الناس الذين كانوا حتى وقت قريب يعيشون في وطن واحد رغم الإحن التي اختلقها السياسيون الذين حولوا الوحدة الجاذبة إلى قسمة طاردة.
 
لقطة من فيلم "بروق الحنين" للمخرج السوداني مجدي كامل (الجزيرة)
حسرة الانفصال
ويرى رئيس تحرير جريدة "المشهد الآن" نورالدين مدني أن الجهد التوثيقي حرص على أن يأخذ فيه المخرج وجدي كامل كل الآراء المؤيدة والمعارضة قبل الاستفتاء، إلى جانب المشاهد التي تحمل رسالة واضحة كمشهد استقبال جون قرنق في الساحة الخضراء.
 
وهي كانت إشارة إلى الوحدة الوجدانية التي سعى المخرج إلى إبرازها في قصة الأم الجنوبية التي جاءت إلى مطار الخرطوم بأبنائها الشماليين، لتدخل هي من باب الأجانب وليدخل أبناؤها من باب المواطنين، والقصص الأخرى تكشف مدى عمق الدموع التي تدفقت على جرح الوطن بعد أن أصبح وطنين.

وأضاف مدني للجزيرة نت أن المخرج كان موفقا في اختياره للعنوان "بروق الحنين" وفي رموزه التي استعان بها كالقطار والأغنيات، والرقصات الشعبية التي عبرت عن أشواق السودانيين نحو الوحدة من جديد، وهذا لايعني رفض خيار الاستفتاء.
 
وعبر مدني عن اندهاشه لردود الفعل التي جاءت من بعض الجنوبيين الذين اعتبروا الفيلم ضد الاستقلال رغم أنه لم يتطرق إلى هذا الجانب بل ركز على الآثار التي ترتبت عن الانفصال وعن العلاقة الوجدانية التي تجمع ما بين الشعبين.
 
ويذهب الروائي إبراهيم إسحق إلى أن الفيلم يعبر عن أشواق موجودة لدى ثلاثة أرباع المجتمع السوداني الشمالي والجنوبي، وأن المخرج صور فعلا بالنسبة للشعبين نوعا من الحسرة على ما حصل.

وقال إسحق إن رؤية الفيلم هو أن الانفصال من الممكن أن يكون مرحلة لإعادة النظر في العلاقة وفي إيجاد وسيلة لمحو الترسبات السلبية التاريخية التي طرأت على العلاقة بين الجانبين، وأرجع الغضب الذي جاء من بعض الجنوبيين على الفيلم بأنه يعود لأن هناك نفوسا لا تزال متشبعة بالجوانب السلبية بينما أعداد كبيرة من الشماليين والجنوبيين يعتقدون أن الزمن كفيل بمحو الجوانب السلبية.

إستيلا قايتانو: الفيلم ركز على مشاعر الجنوبيين وإحساسهم بالانفصال دون الشماليين (الجزيرة)
دموع الجنوب
ويرى الكاتب والمحامي كمال الجزولي أن الفيلم جيد من ناحية الإخراج والتصوير والمونتاج، وفيه شحنة عاطفة قوية جدا ومعرفة كبيرة، وهو يرصد قضية في غاية الأهمية لم يتم التطرق إليها فنيا وأدبيا في السودان حتى الآن.

ويقول إن وجدي في هذا الفيلم يستقصي مشاعر وعواطف ما بعد الانفصال، فما قبل الانفصال كانت مسيطرة عليه السياسة، ولكن ما بعد الانفصال تأتي العاطفة بشكل أقوى، هل افتقد الناس بعضهم البعض؟ هذا هو السؤال الذي يحاول هذا الفيلم أن يجيب عليه، ويضيف كمال أن وجدي كان موضوعيا ومتوازنا واحترم وجهات النظر المختلفة سواء من السياسيين أو من الكتاب أو من المفكرين أو من الناس العاديين وترك للمشاهد أن يقيم.

ويذهب المهندس فاروق جات كوت إلى القول بأنه ليس سعيدا بالفيلم رغم أنه شارك فيه لأنه لم يقدم النموذج المتوقع، وأن الطموح كان أن نرى ونسمع شيئا أفضل مما قدم، وهذا الفيلم -حسب قوله - مال للعواطف أكثر وقضية الوطن ليس لها علاقة بالعاطفة، فالفيلم لم يتحدث عن كيف يفكر  الجنوبي بعد الانفصال، وليس السوداني؟

ويضيف كوت للجزيرة نت أن وقت الدموع انتهى، واللواتي تباكين في الفيلم لم يجانبهن التوفيق، فهن تباكين لعوامل خاصة، ويرى كوت أن المخرج كانت لديه كمية من المواد لم يستفد منها كما  أنه حذف الكثير من كلامه في الفيلم ولم يعطه الوقت الذي أعطاه للطيب مصطفى مثلا، كما يقول.

وتقول الكاتبة والروائية إستيلا قاتيانو للجزيرة نت إن الفيلم أعجبها، ولكن هناك خطأ وقع فيه المخرج لماذا لم يتطرق لإحساس الشماليين بالانفصال؟ وهذا ما أثار غضب الجنوبيين لأنهم لم يروا دموع الشماليين في الفيلم، واعتبروا أن ذلك إهانة، وكأنما الفقد حدث لجهة واحدة فقط.

بينما يقول الإعلامي علي شمو إن هذا الفيلم لم تقم به جهة لها أجندة تريد الكسب السياسي من ورائها، وإن أعظم ما في هذا الفيلم تناوله الجانب الإنساني بين الشعب الذي كان واحدا منذ 1874لذا فإن الانفصال كان لحظة فارقة عاطفيا وسياسيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة