أيام يوسا عادية بعد "نوبل"   
الثلاثاء 1431/12/23 هـ - الموافق 30/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 19:06 (مكة المكرمة)، 16:06 (غرينتش)
قاعة التدريس محيط الروائي يوسا والتي يصحو لأجلها في الخامسة صباحا (الأوروبية-أرشيف)

ترجمة-إلياس فركوح
 
بعد خمسة أيام على فوز الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا بجائزة نوبل في الأدب، توّجه ماشيا إلى إحدى قاعات جامعة برنستون، حيث كان 25 طالبا ينتظرون حلقتهم الدراسيّة الأسبوعيّة عن الواقعيّة السحريّة للكاتب الأرجنتيني جورج لويس بورخيس. بعدها، قالَ أحد هؤلاء الطلاّب: "لقد تظاهرَ بأنَّ شيئاً لم يحدث".

"أشكركم كثيراً، كثيراً جداً،" قال يوسا، مبتسماً ابتسامةً عريضة، متوجهاً للطلاب الذين كانوا حاضرين وقدموا له، مع بطاقة تهنئة، الحلوى. وأضاف "سوف نأكل هذا خلال الاستراحة. أما الآن فلنبدأ الدرس".

منذ أن فاز بجائزة نوبل في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل باتَ فارغاس يوسا في المركز لانتباهٍ عاصف "ثورة في حياتي"، صرَّحَ في واحدة من المقابلات التي أُجريت معه. "إنه لأمرٌ مذهل أن تختبر مباشرةً ما تعني العولمة".

ومع ذلك تراه يعلّق "ولقد كانت مسألة مضحكة للغاية في بعض الحالات". إذ تلّقى عرضاً لاستثمار مبلغ الجائزة (حوالي 1.5 مليون دولار أميركي) في شركة مثلجات "آيس كريم". كما كتبَ أحدهم من قريةٍ نائية، طالباً منه أن يسدد عنه أجرة عملية جراحيّة.

غير أنه، وسط هذه الزحمة بما يشبه الفوضى، والاحتفال الأدبي الدولي، عمل على المحافظَة على مهامه كأستاذ جامعيّ هنا. يستيقظُ مرّتين في الأسبوع في شقته في مانهاتن عند الساعة الخامسة والنصف صباحاً، لتحضير مادة محاضراته، واحدة عن بورخيس والأخرى عن الكتابة الإبداعيّة وتقنيات الرواية، قبل أن يستقلّ القطار.
 
يوسا يتلقى التهنئة من الرئيس البيروفي السابق إليخاندرو توليدو (الأوروبية- أرشيف)
حياة يومية
يقول فارغاس يوسا "الجو الثقافي في برنستون جوٌ عظيم بسبب وجود كتّاب كثيرين، مثل جويس كارول أوتس، وميخائيل وود"، مضيفاً أنه يستمتع بركوب القطار متوجهاً من مانهاتن وعائداً إليها، "ذلك أمرٌ جميل جداً. ولكن ليس عندما تستقلّ القطار عند الساعة الخامسة أو السادسة. إنها حالةٌ يمكن أن تشكّلَ تَبَدُّلاً كافكاوياً".

عند تنحيّة مشقة الذهاب والإياب هذه جانباً، فإنّ يوسا مستقرٌ في حياة نيويورك مع زوجته، باتريشيا. يتمشيان لمدة ساعة في "السنترال بارك" كل صباح، عادةً حوالي الساعة الثامنة.
 
"لا يمكن العثور على مجتمع المقاهي قاتمة الظلال لعواصم أوروبا وأميركا الجنوبيّة في نيويورك"، يقول، ولذلك فهو يمضي أوقات الظهيرة، عندما لا يكون لديه ما يفعله في الحرم الجامعي، في مكتبة نيويورك العامة، التي يهيم بها لفضائها الرحب الوسيع وضوئها الطبيعي الوفير.

"كُلُّ شخصٍ على عجلةٍ من أمره في نيويورك، حتّى في المطاعم والمقاهي" يقول، ثم يضيف "أنتَ لا تملك الهدوء والسَكينة. وهذا، كما أعتقد، في غاية الأهميّة لعمليّة القراءة".

أصبحَ التعليم جزءاً من حياة فارغاس يوسا، يتكرر باستمرار، منذ الستينيات، حين اتخذ لنفسه مواقع في جامعات في بريطانيا، وبعدها في هارفارد، وكولومبيا، وجورج تاون. كان محاضراً زائراً في جامعة برنستون عام 1992، وعاد هذا الخريف بدعوةٍ من برنامج الدراسات الأميركيّة اللاتينيّة.
 
الإعلام دخل مثل عاصفة في حياة
الروائي يوسا حسب قوله (رويترز-أرشيف)
أستاذ جامعي
يصل لمواصلة حلقته الدراسيّة المعتادة عن بورخيس في "جونس هول"، دالفاً إلى غرفة صغيرة أرضها مفروشة بالسجّاد وبها خمسة صفوف من المقاعد ومكتب خشبيّ في الصدارة.

وما إن امتلأت الغرفة بطلابه، فاتحين أجهزة حواسيبهم المحمولة ودفاتر ملاحظاتهم ذات الحواف اللولبيّة، حتّى اتخذ فارغاس يوسا مقعده المعتاد خلف المكتب، مرتدياً قميصاً ضارباً للون الزهري الخفيف، وربطة عنق زرقاء غامقة، بشعره الفِضيّ المفروق بإتقان.

مُريحاً مرفقيه على سطح المكتب، بدأ ساعةً من التحليلات الحُرَّة عن بورخيس، شارحاً فقرات من قصص "اللاهوتيون" و"كتابة الله"، عاملاً على إجراء مناقشة بخصوص وجهة نَظَر السارد، والانتقال من الواقع إلى اللاواقع وموضوعات العُزلة، والإلهام، والتخيُّل. قرأ الفقرة الأخيرة من "اللاهوتيون" بصوتٍ مرتفع، الفقرة التي تذهب فيها الشخصيّة إلى السماء لتكتشفَ بأنّ خصمها، وللمفارقة، هي نصفها الآخر.

"هذا فِعْلٌ بمقدورنا أن ندعوه بالمذهل،" قال يوسا، بينما أنصتَ الطلاب بانتباهٍ وتركيز مسجلين ملاحظاتهم. "هذا فِعْلٌ بمقدورنا أن ندعوه بالمُعْجِز. إنه، على نحوٍ آخر، يغيِّر تماماً القصةَ التي قرأناها للتو."

النصف الأوّل من حصته خُصصت كالعادة لمحاضرته عن الموضوع، ناقلاً بصره أحياناً لإلقاء نظرةً على ملاحظاته هو.

"من الصعب حقيقةً أن تحدد الحالة، غير أن عُمقاً ما يكمن في طريقة كلامه وكيفيّة عرضه لأفكاره" تقول جوليا كابلان، البالغة من العمر 21 سنة، وتضيف "هو يحبّ منّا أن نفككَ القصص وأن ننظرَ حقاً من قُرب عَمّا يقوم به السارد، ما نقطة التوتر في القصة، أيّ مستوى من مستويات الواقع الذي تدور حوله القصة. إنه أستاذٌ رائع".
 
الحلقتان الدراسيتان تعتمدان اللغة الإسبانيّة، داخل صفوف تتضمن طلاباً ليست اللغة الإنجليزيّة لغتهم الأولى، وأُصولهم من بلدان أميركا اللاتينيّة كالسلفادور والمكسيك.
 
"
كنت على قناعة تامة بأنني لن أفوز بجائزة نوبل، كان الانطباع لدي بأن جائزة نوبل للأدب مُنِحت لأناس ينتمون، بشكل أو بآخر، فلنقل، لأفكار اشتراكية

"
حسد مباغت
بالنسبة لطلابه فإنَّ احتلال مكانٍ للواحد منهم في صف فارغاس يوسا تحوّلَ ليكون مساوياً للفوز باليانصيب الأكاديمي، جالباً لهم حَسَداً مباغتاً من الأصدقاء وزملائهم الطلبة.

قال أيريك والش، طالب في التاسعة عشرة من عمره من السلفادور "استيقظت يوم أن فاز بالجائزة لأجدَ رسالتين على الإيميل من الأهل والأصدقاء تفيد: أستاذكَ مكلل بغار نوبل" وأضاف "لم أستطع تصديق الأمر".

طولب الطلاب باستكمال قراءة الواجبات المحددة لكل أسبوع، والاستعداد لتلخيص المحاضرة داخل الصف، وتقديم عروضهم لها، وكتابة أبحاث عند نهاية الحلقة الدراسيّة. أما كتب بورخيس المدرجة في المنهج، فهي "المجموعة القصصية الكاملة"، و"تاريخ عالمي لسوء السمعة"، و"الألف"، و"الصانع".

خلال درس الثلاثاء حَوَّلَ فارغاس يوسا اتجاهه مشيراً إلى أنّ وقت عروض الطلاب قد حان، ليتخذوا مكانه عند مكتبه ويحللوا أعمال بورخيس.

بدأ هيكتور مورينو، طالب في الحادية والعشرين من عمره يدرس الهندسة الكيمياوية، بتحليل فكرة اللامتناهي كمفهومٍ رياضيّ في قصص بورخيس.
انتقل يوسا دائرا بمقعده في الصف الأول ليواجه الطلاب، وقال "هل باستطاعة أحد منكم، أن يشرح الفرق بين اللامتناهي والأبديّة؟".

أكثر من طالب حاول ذلك، غير أن يوسا لم يكن راضياً. "ولكن ما الفرق؟"، قال "مَن بإمكانه أن يشرح لي الفرق؟ هذا ليس واضحاً لي".

وبعد أن قدّم عددٌ من الطلاب التعريفات والمراجع لقصص بورخيس، تكلّمَ مارك لانثيمان فقال "اللامتناهي مُطْلَقٌ، بينما الأبديّة علاقةٌ مؤقتة" وأضاف "اللامتناهي خاصيّة عامة لا تمتلكُ حدوداً، بينما الأبديّة خاصيّة زمنيّة".

حينها، صمتَ فارغاس يوسا وابتسم. "أنا لم أقتنع تماماً" قال، وهو يضحك.

بَيَّنَ فارغاس يوسا أنَّ هذا الخريف كان من المفترض أن يكون إقامة مؤقتة هادئة في نيويورك، حيث يقيمُ أحياناً في البيرو وأحياناً في إسبانيا، أو أينما تأخذه كتابته وانشغالاته التدريسية.

وهذا أصابه التغيير حين تلقّى في الصباح الباكر المكالمة الهاتفيّة من ستوكهولم يخبرونه عبرها بأنه نال التكريم لـ"رسمه خريطة بِنى السلطات وصُوره الواضحة لمقاومة، وثورة، وهزيمة الإنسان الفرد"، كما بيّنتها الأكاديميّة السويديّة في تنويهها.
 
رواية "حلم الكلتي" أحدث ما أصدره يوسا (الأوروبية-أرشيف)
ضد اليسار
كتبَ ماريو فارغاس يوسا، الناقد الدائم للحكومات اليساريّة في أميركا اللاتينيّة، أكثر من ثلاثين عملاً تمثلت في كُتبٍ خارج جنس القصّ المتخيَّل، والمسرحيات، والروايات من بينها "حرب نهاية العالَم"، و"وليمة الماعز".

توفي بورخيس، القاصّ، والشاعر، وكاتب المقالات عام 1986، دون أن يحصل على جائزة نوبل. قبل هذا بعامٍ واحد صرّحَ لأحد محاوريه "هذا تقليدٌ إسكندنافيّ قديم. كل سنة يرشحونني للجائزة، وكل سنة يمنحونها لغيري".

إلى أن فازَ بها هذه السنة ماريو فارغاس يوسا، البالغ من العمر 74 عاماً، والذي كان يَئِسَ من نيلها هو أيضاً.

"كنتُ على قناعة تامة بأنني لن أفوز بجائزة نوبل" قال. وأضاف: "كان الانطباع لديَّ بأن جائزة نوبل للأدب مُنِحَت لأناسٍ ينتمون، بشكلٍ أو بآخر، فَلْنَقُلْ، لأفكارٍ اشتراكية، وما كانت حالتي تنطبق على هذا."

رافاييل روميرو، الطالب من ميامي والبالغ 22 عاماً، أفادَ بأن ماريو فارغاس يوسا قالَ لهم في اليوم الأوّل للحلقة الدراسيّة إنَّ العالَم، إذا ما كان سيتذكَّر عبر خمسين أو مائة سنة قادمة كاتباً باللغة الإسبانيّة، فلن يكون سوى بورخيس.
"والمفارقة أنَّ الكاتب الذي ندرس أعماله الآن لم ينل جائزة نوبل أبداً، وفجأةً ينالها أستاذنا للتو"، قال روميرو، مضيفاً: "من الواضح أنه يَكِّنُ احتراماً كبيراً لبورخيس. ولكن، وكما سوف يسجّل التاريخ، فإنه هو مَن فاز بالجائزة ولم يفز بها بورخيس".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة