ما مصير التقارب الأميركي الروسي؟   
السبت 1431/7/7 هـ - الموافق 19/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:25 (مكة المكرمة)، 10:25 (غرينتش)

كاتبة المقال: محاولة الإدارة الأميركية للتقرب من روسيا لن تجدي نفعا طالما أن الروس لا يأخذونها مأخذ الجد (الفرنسية-أرشيف)

ترى ليليا شيستوفا -العضو الرفيع المشارك في مكتب مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بموسكو- أن محاولة الإدارة الأميركية للتقرب من روسيا لن تجدي نفعا طالما أن الروس لا يأخذونها مأخذ الجد.

وأشارت في مستهل مقالها بمجلة فورين بوليسي إلى لهفة البيت الأبيض قبيل زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف إلى واشنطن، لعرض تحسن علاقات البلدين كواحدة من إنجازاتها الرئيسية في مجال السياسة الخارجية.

ونسبت إلى بيان البيت الأبيض قوله إن "الدولتين اتخذتا خطوات هامة تجاه إعادة ترتيب العلاقات، في إشارة إلى سياسة "زر إعادة الترتيب" التي أُعلن عنها العام الماضي، ووفقا للبيان فإن "الرئيسين باراك أوباما وميدفيديف عملا سويا وعن كثب لتعزيز أمن ورفاهية الشعبين الأميركي والروسي".

وفيما يتعلق بسياسة إعادة الترتيب -تقول الكاتبة- ترى الولايات المتحدة أن الاتفاقيات بين كلا الطرفين حول القضايا ذات الاهتمام المتبادل تساعد على بناء الثقة التي تحتاجها واشنطن لتتمكن من إحراز تقدم بخصوص الأولويات الأخرى.

كما يأمل الجانب الأميركي بأن إعادة ترتيب الأمور ستساعد الرئيس ميدفيديف الذي يبدو -وعلى خلاف سلفه- معنيا بحق بالتقارب مع الولايات المتحدة وتعزز سلطته, وعلى ضوء هذا "ليس من الحكمة والتعقل إغضاب موسكو عن طريق محاولات لإعادة صياغة روسيا".

ظاهريا, يبدو أن الإدارة الأميركية لها كل الأسباب لاعتبار هذه السياسة بمثابة نجاح, مقارنة مع حالة العداء الصريحة التي كانت تسود العلاقات بين البلدين في العام 2008, فقد تحسنت العلاقات بينهما بشكل لافت, ولا سيما أن كلتا الدولتين تعملان سويا في المناطق ذات الأهمية الجوهرية لأميركا بما فيها احتواء إيران والعمل من أجل تقليل خطر الأسلحة النووية بينما تبدو التنازلات المقدمة إلى موسكو ضئيلة.

واختصرتها ليليا بالقول إنه يبدو أن الخط البراغماتي أو الواقعي الذي انتهجته إدارة اوباما أثبت نجاعته.

لكن المشكلة -من وجهة نظر الكاتبة- تكمن في أنه لا سياسيو الكرملين والمحللون ولا المعارضة يرون الأمور بهذه الصورة, فالعديد ينظرون إلى الحد من سباق التسلح ومنع الانتشار النووي باعتبارها هواجس أميركية، ولا مصلحة سياسية روسية كبيرة فيها, وكما قال سيرجي ماركوف عضو مجلس الدوما المؤيد للكرملين "إعادة الترتيب لا تنطوي فقط على اتفاقية ستارت ولكن على مكانة الفدرالية الروسية، إن كانت قوة عظمى أم لا".

وتشير ليليا إلى أن الكرملين يرغب بمساعدة أوباما في محاولة كسب جائزة نوبل للسلام طالما أنه على علم وإدراك بأن إعادة الترتيب ممكنة فقط إن كانت وفقا للشروط وهي عدم التدخل في الشؤون الروسية والاعتراف بمناطق مصالحها والمساعدة في تحديثها اقتصاديا.

فمن جهتها استجابت الولايات المتحدة للشرطين الأولين حتى حينه, ولكن المساعدة في تحديث روسيا اقتصاديا لم تتضح بعد وعليه يجب على موسكو أن تتخذ خطا أشد تصلبا خلال مساوماتها مع واشنطن بحيث يجب الحصول على كل التنازلات مسبقا، حسب تعبير الكاتبة.

وتمضي الكاتبة للقول إنه من الصعب اعتبار تصريحات الزعماء الروس ودية، مشيرة إلى ما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قبيل التوقيع على اتفاقية ستارت النووية الجديدة في مارس/آذار الماضي "لا أقول إننا خصوم للولايات المتحدة ولكننا لسنا أصدقاء كذلك" كما قال لافروف إن روسيا يمكن أن تنسحب من الاتفاقية إن مضت الولايات المتحدة قدما في خطط الدفاع الصاروخي في أوروبا الشرقية.

أما غليب بافلوفسكي وهو محلل سياسي تربطه علاقات حميمة مع الصفوة في الكرملين فقد كان أشد قسوة بقوله في مقابلة مع إحدى المجلات الصيف الماضي "دعونا لا نستصغر أنفسنا، أوباما ليس سندا وهو على شفا الهاوية وهو يحتاجنا أكثر مما نحتاجه".

أسلوبان من التفكير
"
ربما حققت واشنطن نصرين تكتيكيين هما معاهدة ستارت الجديدة والعقوبات على إيران, ولكنها أوجدت تحديا إستراتيجيا جديدا عن طريق إضفاء الشرعية على النظام السياسي الروسي الذي عفا عليه الزمن، وإقناعه بأنه بإمكانه الحصول على تنازلات من واشنطن تحت شعار استمرار الحوار
"
وهنا تشير كاتبة المقال إلى أسلوبين مختلفين تماما من التفكير, فبينما ترى الولايات المتحدة في الحوار والحل الوسط والتنازلات وسائل لاحتضان وكسب الطرف الآخر, تجد الصفوة أو النخبة الروسية في الحوار ناهيك عن التنازلات علامات ضعف.

وتتساءل: هل من الممكن وجود ثقة متبادلة حينما يكون لدى الطرفين مثل هذه الرؤى المختلفة للحقيقة؟ قائلة "لا أعتقد أن المسؤولين الأميركيين سذج, ولكنهم على علم بالعقلية التي تحكم وتوجه الحكومة الروسية وعليهم النظر إلى المشاكل الواضحة عبر الإستراتيجية التي ينتهجونها".

هناك سبب بسيط للاعتقاد بأن إعادة ترتيب العلاقات يمكنها تعزيز موقف الإصلاحي المزعوم ميدفيديف, فالمطلعون على بواطن الأمور في الكرملين لا يعدون فوائد إعادة ترتيب العلاقات أمرا جدير بالاحتفاء به, وإذا ما فشل الكرملين في الحصول على موافقة الولايات المتحدة على أي من شروطها, فإن إعادة ترتيب العلاقات يعد فشلا ويعمل فقط على زيادة وضع ميدفيديف صعوبة, وعليه فليس من الغريب أن ينأى الرئيس السابق فلاديمير بوتين بنفسه عن مشروع إعادة ترتيب العلاقات وسيحصل على كبش فداء سهل إن تدهورت الأمور وساء الوضع.

حتى ميدفيديف اتخذ خطوات ليطمئن الشعب بأنه ليس من المتراخين المؤيدين لأميركا، فقد قال وهو في الأرجنتين بعيد توقيع اتفاقية ستارت الجديدة أمام حشد محلي من المستمعين "إن كان هناك في أميركا من يقلقه سعي موسكو للعب دور أكبر في أميركا اللاتينية "فلن نعيره بالا".

إن كان الأميركيون يفهمون الدوافع الروسية وهم على علم بالتناقضات المذكورة أعلاه, عندها تكون مشاركتهم في الحوار بصورة باهتة, فالشراكة التي يتجاهل فيها كلا الطرفين عن قصد دوافع الآخر لن تسفر عن نتائج كبيرة, وما على أوباما سوى التساؤل عن كيف انتهت مساعي إدارة الرئيس السابق جورج بوش في بداية عهدها للحوار مع نظيره السابق فلاديمير بوتين.

ولكن ماذا إن كان فريق أوباما يؤمن بصدق في وجود تحول إيجابي في الكرملين, والتزام ميدفيديف بالتقرب من أميركا وإمكانية أن يؤدي العمل مع النظام الروسي إلى تغيره نحو الأفضل؟ في هذه الحالة من المرجح أن يستمر الزعماء الروس في تقديم التنازلات حول القضايا التي لا يولونها اهتماما حقيقيا في الوقت الذي يحصلون فيه على فوائد من موقف واشنطن المتساهل لتعزيز نظامهم السياسي المعادي لليبرالية والغرب.

ربما حققت واشنطن نصرين تكتيكيين -والكلام للكاتبة- هما معاهدة ستارت الجديدة والعقوبات على إيران, ولكنها أوجدت تحديا إستراتيجيا جديدا عن طريق إضفاء الشرعية على النظام السياسي الروسي الذي عفا عليه الزمن، وإقناعه بأنه بإمكانه الحصول على تنازلات من واشنطن تحت شعار استمرار الحوار.

وفي الختام أعربت الكاتبة عن أملها بأن يكون لدى الولايات المتحدة "الخطة ب" تدخرها لتحقيق تحول روسي حقيقي عندما يتضح أن إعادة الترتيب لم تفشل وحسب، بل أتت بنتائج على عكس النتائج المنشودة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة