خيرة أفزاز: التراث الحضروي جزء من أصالتنا   
الجمعة 1437/1/4 هـ - الموافق 16/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:38 (مكة المكرمة)، 12:38 (غرينتش)
ياسين بودهان-الجزائر

تشتهر مدينة شفشاون بشمال الريف المغربي بطرازها المعماري الفريد، وبميراثها الروحي الصوفي الذي يجسد التراث الحضروي النسوي أحد أبرز معالمه، وهو الإرث الذي تعمل فرقة الشفشاونية برئاسة الفنانة للا خيرة أفزاز على الحفاظ عليه وتقديمه للعالم.

و"شفشاون" كلمة أمازيغية تعني "انظر إلى قرون الجبل"، والسبب في تسمية المدينة بهذا الاسم كونها تقع بين جبال الريف في منطقة الشمال المغربي، ويعود تاريخ تأسيسها إلى أواخر القرن الخامس عشر ميلادي، وتحديدا عام 1471م على يد الشريف مولاي علي ابن براشد في عهد الدولة الإسلامية للوطاسيين.

ولتفردها جغرافيا وتراثيا وثقافيا، تستقطب شفشاون سنويا أكثر من مئة ألف سائح من دول أوروبية عديدة أهمها إسبانيا وفرنسا، حيث تغري هؤلاء السياح الطبيعة الخلاقة للمدينة التي يطلق عليها اسم "المدينة الزرقاء" لتوشح مبانيها وأزقتها باللون الأزرق، وتغريهم ثقافة سكانها التي يشكل "التراث الحضروي النسوي" أحد أبرز معالمها.

الفنانة المغربية للا خيرة أفزاز رئيسة فرقة الشفشاونية وشقيقها (الجزيرة نت)

تراث صوفي
والتراث الحضروي تراث روحي مرتبط بالسماع الصوفي، وقديما كانت تؤديه الأمهات في بيوتهن أو في الزوايا خلال مختلف المناسبات الدينية والوطنية للمملكة المغربية.

وتستعمل عدة إيقاعات في هذا النوع من السماع كالدف والدربوكة (الطبلة) والطبل، والإيقاع المستعمل في الأداء شبيه بإيقاع الدرج المستعمل في الموسيقى الأندلسية، ولذلك جذور تاريخية حيث يقال إن تأسيس مدينة شفشاون كان بهدف إيواء المسلمين المطرودين من إسبانيا.

وعلى مدار تاريخه عرف هذا الفن بروز أسماء لامعة يطلق عليها اسم "الأمهات الصالحات" أو "الأمهات الشريفات"، على غرار رائدة هذا الفن السيدة للا زهور الريسونية، والأم للا رحمة عدرونة، إلى جانب منشدات عدة زوايا منتشرة في منطقة شفشاون، أهمها فقيرات الزاوية الشاقورية، وفقيرات الشرفاء الريسونيين.

ولأن "التراث الحضروي" كان منتشرا في شفشاون دون غيرها من المدن المغربية، فقد كان ذلك سببا في إنشاء "جمعية الحضرة الشفشاونية" التي تأسست عام 2003 على يد الفنانة للا خيرة أفزاز وشقيقها أحد أساتذة السماع الصوفي في شفشاون.

وفي مقابلة مع الجزيرة نت على هامش مشاركتها في المهرجان الدولي للسماع الصوفي بمدينة سطيف شرقي الجزائر، أكدت أفزاز أن إنشاء فرقة الشفشاونية التابع للجمعية كان بهدف الحفاظ على التراث الفني الحضروي، لأنه فن كان يجله في وقت ما حتى المغاربة أنفسهم، لكونه خاصا بأهل شفشاون، وتدندن به الأمهات في منازلهن وفي الزوايا.

للا خيرة أفزاز: الفرقة والتراث الذي تقدمه حظيا "بقبول عجيب" في دول عربية وأجنبية عديدة (الجزيرة نت)

قبول عجيب
وبحكم الثقافة والتقاليد السائدة التي تمنع المرأة من مجالسة الرجال، كانت الأمهات يؤدين هذا الفن في بيوتهن أو في الزوايا فقط خلال الأفراح والمناسبات الدينية وفقا لأفزاز، لذلك جاءت الفرقة -التي تنتمي روحيا إلى الزاوية القادرية لمؤسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني، والزاوية الشاقورية التي كان فيها شقيقها مقدما- لتصدّر التراث الحضروي خارج هذه الأسوار، وتقدمه للعالم أجمع، ولليس للمغرب فقط.

ومن خلال تجربتها في دول عربية وأوروبية عديدة، قالت أفزاز إنها "لمست انطباعا رائعا، وقبولا عجيبا للفرقة وللتراث الذي تقدمه".

وعن مدى قبول الناس لهن كنساء في عالم السماع الصوفي، أكدت أفزاز أنها لم تجد معارضة من مجتمعها، ذلك أن أناس شفشاون كلهم متصوفة، وتربوا على هذا التراث الفني حسب قولها، مضيفة أنها فوق ذلك "تفاجأت بالكم الكبير من الحماس والتشجيع الذي أتحفني به أناس شفشاون وغيرهم".

وتضم فرقة أفزاز نحو عشرين بنتا تعمل على تعليمهن أصول التراث الحضروي الذي ورثته عن أمها وشقيقها الأستاذ في السماع الصوفي، والذي كان أول رئيس للفرقة الصوتية خلال نشأتها.

وخلال مسيرتها الفنية أصدرت جمعية الحضرة الشفشاونية ألبومين تضمنا التراث الحضروي وهو الكلام الزجلي الذي كان يدندن به شيوخ الزوايا الأقدمين على غرار القصائد الريسونية، وبعض رسائل البقالية، وقصائد الشيخ الجيلاني، والشيخ مولاي عبد السلام المشيشي، إلى جانب ألبوم ثالث خاص بالأغنية الشمالية للمرحومة الشقارة.

وكشفت أفزاز أنها تطمح مستقبلا إلى إنشاء مدرسة خاصة بالفن الشفشاوني من أجل تقديم هذا الفن للشباب والجيل الجديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة