شكيب أرسلان.. والسؤال الغصة   
الثلاثاء 4/1/1433 هـ - الموافق 29/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:11 (مكة المكرمة)، 10:11 (غرينتش)


أحمد الشريقي

قرون من التخلف والانحطاط مرت قبل نهايات القرن التاسع عشر، خلالها لم يكن يؤرق نخب الأمة وشعوبها سؤال التخلف والانحطاط، كانوا يعاينون واقعهم ويكتفون بمحاولات إصلاحية هنا وهناك، تحت مظلة دولة الخلافة، فيما كانت أوروبا على الضفة الأخرى تتقدم وتتسع الفجوة معها.

انحطاط على جبهة الأمة، والمستعمر يدق الأبواب لإقامة طويلة في حواضر الشرق، معها بدأت شعوب الأمة تعاين واقعها المرير وتطرح معضلتها على النخبة النهضوية، لماذا تقدموا وتأخرنا؟

معضلة التخلف
السؤال الذي كان ينهال صادما على صاحب المنار (محمد رشيد رضا) أحاله بدوره لأمير البيان شكيب أرسلان، وهو رجل توسم فيه رضا الحصافة وطول التجربة ولم يكن ينقصه الانهماك والاشتباك مع معضلة التخلف، وهو الذي خلع عليه رضا أيضا لقب "أمير البيان".

اجتهد شكيب أرسلان في الإجابة عن السؤال المعضلة، ورحل مخلفا وراءه غصة لا تزال في حلق الأمة، التي ينطلق أبناؤها اليوم في الميادين والشوارع مشتبكبن مع واحد من أهم عوامل التخلف وهو الاستبداد عل في زواله إجابة أنجع للسؤال
وطوال قرن فائت، تغيرت صياغات السؤال قليلا، وتمظهر تحت عناوين، "الأنا والآخر" والـ"نحن" والـ"هم"، بيد أن الفجوة راحت إلى اتساع والآخر أصبح آخرون وشيفرة التخلف بقيت دون فك، منذ ذلك السؤال ضاعت بلاد وتمزقت الأمة وتداعت دول.

اجتهد شكيب أرسلان في الإجابة عن السؤال المعضلة، ورحل مخلفا وراءه غصة لا تزال في حلق الأمة، التي ينطلق أبناؤها اليوم في الميادين والشوارع مشتبكبن مع واحد من أهم عوامل التخلف وهو الاستبداد عل في زواله إجابة أنجع للسؤال.

وبعيدا عن اجتهاد الرجل في الإجابة على السؤال، والانتقادات التي طالت الكتاب الذي تضمن إجابة أرسلان عليه، وأنه خطبة مطولة، فإن السؤال بحد ذاته كان كفيلا بإثارة حفيظة بريطانيا وفرنسا ومنع الكتيب من الدخول إلى دول عربية كانت وقتها تئن تحت وطأة المستعمر في واقع معقد.

مشهد معقد
لم يكن المشهد الذي تفتح فيه وعي أرسلان الكفاحي واضح المعالم فيما يمكن تسميته في عالم السياسة بموازين القوى والتحالفات، بل كان في غاية التعقيد: أمة ترزح تحت ظلم فادح، لدولة خلافة تشاطر العرب دينهم، فيما هي تزداد تخلفا، وأحرارها تنصب لهم المشانق في "عالية" وغيرها على يد جمال باشا السفاح، ومستعمر وضع سيداه (سايكس وبيكو) اتفاقيتهما لتمزيق أرض العرب.

انحاز أرسلان في مستهل حياته الفكرية وتوجهه السياسي لفكرة الجامعة الإسلامية ووحدة المسلمين تحت راية الخلافة، متأثرا بآراء جمال الدين الأفغاني، بيد أن إمعان الأتراك في ظلمهم دعاه إلى الانضمام للمنادين بالوحدة العربية وحقهم في دولتهم القومية، "فهي السبيل إلى وحدتهم وقوتهم"، أخذا على نفسه عهدا بالدعوة إلى وحدة الأمة والتبشير بها  قائلا "إنه سيظل يبشر بهذه الدعوة طيلة حياته، فإن لحق بربه، قبل أن تتم فيوشك أن يبشر بها وهو تحت التراب".

دعا شكيب إلى الجامعة الإسلامية في ظل الحكم العثماني، ووقف في وجه التعاون مع الغرب، وكان "يدعم دولة الخلافة، إلا أنه أخيرا استاء من سياسة جمال باشا السفاح"، و"قد نصحه الكثيرون ألاّ يتمادى في التدخل حرصا على حياته. فهاجر من سوريا إلى إسطنبول سنة 1917، وقرر ألا يعود إلى سوريا وجمال السفاح فيها".

انحاز أرسلان في مستهل حياته الفكرية، وتوجهه السياسي لفكرة الجامعة الإسلامية ووحدة المسلمين تحت راية الخلافة، متأثرا بآراء جمال الدين الأفغاني، بيد أن إمعان الأتراك في ظلمهم، دعاه إلى الانضمام للمنادين بالوحدة العربية وحقهم في دولتهم القومية
مناضل ضد المستعمر

وفي عمره المديد (1869-1946) هجس أرسلان المولود في "الشويفات" بلبنان بهموم الأمة وتحررها، وعاش مناضلا على جبهة المستعمر الفرنسي، الذي اتهمه مفوضه في سوريا، "مسيو جيوفيل" بأنه من أعوان السفاح، غير أن الاتهام في حينه لم يكن إلا محاولة تشويه لصورة الأمير الذي كان على رأس كتيبة لمقاومة المستعمر الفرنسي.

وإذا كان المنفى حرم أمير البيان العربي من مواصلة الكفاح المادي ضد المستعمر، فإن ذلك لم يمنعه من النضال على جبهة الثقافة والفكر، فراح ينشط في التأليف والنظم والخطابة تاركا وراءه إرثا مكونا من مئات الرسائل والقصائد الشعرية والعديد من الكتب. من أشهرها الحلل السندسية، "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم"، و"الارتسامات اللطاف"، و"تاريخ غزوات العرب"، و"عروة الاتحاد"، و"حاضر العالم الإسلامي" وغيرها.

إشكالية زائفة
وفي مواءمته مبكرا بين إسلامه وقوميته، على صعيد انتمائه الفكري كان أرسلان يفك في وقت مبكر جدا الإشكالية "الزائفة" بين العروبة والإسلام، وهي الإشكالية التي غدت بعد ذلك حروبا طاحنة بين المنظرين على الطرفين، أبعد من ذلك بدا الأمير الدرزي واحدا من النماذج التي تطرح في ممارساتها الحياتية والسياسية رمزا، لنبذ المذهبية والطائفية.

وقبل عامين من رحيل أمير البيان العربي في العام 1946 كانت نذر النكبة تلوح في الأفق، وفي الوقت الذي بدا فيه أن شيئا لم يكن بوسعه تغيير المشهد ترك وصيته الأخيرة "أوصيكم بفلسطين"، على أن الوصية لم تجد من ينفذها وضاعت فلسطين، كما الأندلس التي كانت واحدة من محطات أرسلان الطويلة في تجواله في أصقاع العالم.

مضى أرسلان الذي تحل ذكراه هذه الأيام، وقد تعقدت الإشكاليات، وغدا سؤاله المعضلة أسئلة، بيد أن الرجل لا يلبث أن يحضر في أي محاولة جديدة، لاختراق الواقع المر، والبحث عن إجابات جديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة