هاني زعرب.. اللوحة وطنا ومنفى   
الاثنين 1434/5/28 هـ - الموافق 8/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)
الفنان هاني زعرب في معرضه (الجزيرة نت)
 

أحمد الشريقي-الدوحة

 
لم يفهم الطفل "قدسي"، وقد عَلِق أبوه الفنان الفلسطيني هاني زعرب مرارا في مطار باريس، سببا لسفره وحيدا مع أمه إلى بيت جده في القدس، كذا لم يع -ولمّا يكبر بعدُ- عذابات أب يحرم من السفر مع ابنه وزوجته.

يومها تعلق الطفل بالطائرات البلاستيكية الصغيرة، عله يحمل في إحداها أباه إلى بلاده "فلسطين" مؤثثا عالمه الصغير ألعابا ووسائل نقل، مقترحا أن ينقل أباه مرة في طائرة صغيرة وأخرى في عربة نقل، وعندما أعيته الوسائل اقترح وضعه في حقيبته لنقله معه إلى فلسطين.

في الأثناء كان هاني المولود العام 76 يرقب ابنه ويرصد بريشته عوالمه في لوحات تتعدد، ليسميها فيما بعد "درس في الطيران"، راصدا حلم الفتى وأبيه في الطيران بعد لوعات "انتظار" طويل للعودة إلى الوطن من منفاهما الباريسي.

يتحدث هاني للجزيرة نت عن طفله الذي أصبح بطلا للوحات معرضه المقام في جاليري المرخية بالدوحة، "بدأت فكرة هذا المشروع (المعرض) مع ابني قدسي عندما بدأ يتعلم الكلام، حين كنت أرافقه هو وأمه إلى مطار شارل ديغول للسفر إلى القدس في أواخر العام ٢٠٠٩، حيث فاجأني بالسؤال: لماذا لا تأتي معنا يا أبي؟ كان من المبكر أن يعي قدسي أني لا أستطيع السفر معهما إلى القدس كوني أحمل بطاقة هوية غزة".

فاجأني بالسؤال: لماذا لا تأتي معنا يا أبي؟ كان من المبكر أن يعي قدسي أني لا أستطيع السفر معهما إلى القدس، كوني أحمل بطاقة هوية غزة

ذاكرة ومنفى
بيد أن إجابة زعرب كانت محاولة ملونة في معرضه الذي يقسمه الفنان المولود في مخيم رفح بقطاع غزة والمقيم بباريس، من خلال الرسم بألوان الزيت والأكريليك، إلى ثلاثة عوالم: المنفى حيث يعيش فيه الفنان (الأب)، والذي يتمثل بعنصر آدمي وحيد يتكرر في سلسلة الأعمال (الابن)، ضمن مساحة كبيرة بالنسبة إليه.

فيما العالم الثاني هو عالم قدسي كما يظهر في شخصه المرسوم وطريقته في تقديم مشاعره من خلال أشيائه وألعابه الحميمة وتفاعله معها. أما العالم الثالث فهو الوطن أو الذاكرة والمتمثل بالجدران والخلفيات ذات الطبقات المركبة، كأثر رمزي للحياة المعقدة في هذا المكان، التي يصعب لقاء الاثنين فيها، وبهذا التركيب للعوالم الثلاثة محاولة لبناء عالم ذهني افتراضي يجتمع فيه الأب والابن والوطن.

ويضيف الفنان زعرب "مع كل سفر ولعبة جديدة يعطيها قُدسي دوراً في القصة ويضيفها إلى خزانة ألعابه التي تعج بكافة أنواع المواصلات، ومع كل لوحة نحاول فيها استعادة عالمنا، ينتظر قدسي الرحلة التي سأسافر معه فيها، وأنا أنتظرها أيضا، وإلى أن يعي الحقيقة والواقع الذي فرضته علينا ظروف الاحتلال، نلعب معاً لعبة الانتظار ونتعلم دروساً في الطيران".

لوحة لقدسي "درس في الطيران" (الجزيرة نت)

بين جيلين
سينتظر الصغير قدسي طويلا ليفهم لواعج أبيه، لكن منفيا آخر يفهمها جيدا هو الفنان كمال بلاطة حين كتب سفرا ضخما عن تجربة هاني، واجدا فيه منفيا مثله وهو الذي حرم أيضا من العودة إلى القدس مسقط رأسه.

وبين التجربتين رأت الناقدة البريطانية جين فيشر -وهي تقدم كتاب بلاطة عن زعرب- أن ما يجمعهما هو المنفى، وبرأييها فالفلسطينيون يتوارثون المنفى أيضا.

وبالمقارنة بين جيلين فلسطينيين، يقول زعرب إن جيل الثورة الفلسطينية كأمثال إسماعيل شموط وغيره من الفنانين قد أودعوا لوحاتهم رموزا مباشرة تشير إلى الهوية الفلسطينية بما يخدم المرحلة النضالية الفلسطينية، فيما ينحاز هو وجيله إلى التعبير عن الهوية جماليا وبتقنيات مختلفة.

وتنطوي حياة زعرب على مأساة إنسانية هي بنت المعاناة الفلسطينية، إذ ولد في مخيم رفح وانتقل إلى الضفة الغربية ليعايش جيل الانتفاضة الأولى، وفي أيام حظر التجول الطويل وجد في نسخ صور المجلات المصرية وسيلة للتسلية قادته فيما بعد إلى اكتشاف الفنان في داخله.

وفي الضفة أيضا وجد نفسه مطاردا بوصفه غزيا غير مسموح له بالإقامة فيها، وهو الذي درس في مدينة نابلس الفنون التشكيلية، ليجد نفسه وقد انفتحت له نافذة أمل بالسفر إلى باريس، وهناك لقيت أعماله ترحيبا نقديا لافتا، على أن الأمل لا يزال يداعبه في عالم حقيقي في فلسطين المحتلة يضمه وقدسي بعد أن بناه افتراضيا في لوحاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة