الانتفاضة أخرجت الشعوب من اليأس وأوقفت التطبيع   
الثلاثاء 1425/8/20 هـ - الموافق 5/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 9:32 (مكة المكرمة)، 6:32 (غرينتش)
 
في عامها الخامس، ماذا حصدت الانتفاضة على المستوى العربي والإسلامي؟ هل تمكنت من إخراج الأمتين العربية والإسلامية من حالة اليأس التي أحدثتها مرحلة أوسلو؟ وهل استطاعت أن توقف عجلة التطبيع وتضع حدا لتوسع علاقات إسرائيل مع العالم العربي والإسلامي؟ هل كانت سببا لإقامة الجدار الفاصل أم أن إسرائيل بطبيعتها قائمة على التوسع والهيمنة واغتصاب حقوق الآخرين؟
 
هذا بعض ما حملته الجزيرة نت من تساؤلات للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي نافذ عزام وفيما يلي نص الحوار كاملا.
 
 
مع انتهاء العام الرابع لانتفاضة الأقصى ودخولها العام الخامس ما هي الإنجازات التي حققها الفلسطينيون؟

"
أثبتت الانتفاضة صحة الانتقادات الموجهة لاتفاقات أوسلو وصدق الرافضين لها حيث أعاد الكيان الصهيوني احتلال الأراضي التي خرج منها في زمن قياسي
"
من المؤكد أن أي متابع للأوضاع في المنطقة سيكتشف أن ما بعد الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 2000 يختلف عما كان قبله حيث جاءت الانتفاضة في وقت كان اليأس يهيمن على المنطقة بأسرها، وكانت الجماهير العربية والإسلامية تعيش حالة من الضيق والغضب مما يجري في فلسطين. فأوسلو حولت الحياة إلى كابوس، وكرست الاحتلال وشروطه ولم تعط الفلسطينيين أي شيء.
 
كما أن عجلة التطبيع كانت تسير بوتيرة عالية وإسرائيل هي المستفيدة منها، ثم جاءت الانتفاضة فأوقفت هذا كله، وأعادت التفاؤل والأمل للشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية وأثبتت أن القضية لم تمُت وأنها ما زالت حية. كما أثبتت هشاشة الاتفاقيات الموقعة بين السلطة والكيان الصهيوني حيث لم تكن سوى وسيلة لتكريس الاحتلال والاتفاق على المقاومة.
 
وأثبتت الانتفاضة صحة الانتقادات الموجهة للاتفاقيات وصدق الرافضين لها حيث أعاد الكيان الصهيوني احتلال الأراضي التي خرج منها في زمن قياسي.
 
فالانتفاضة أعادت للشعب الفلسطيني حيويته وقدرته على مواجهة التحديات واستعداده لتقديم التضحيات الكبيرة في سبيل حريته وكرامته.
 
كما كشفت الموقف الأميركي المنحاز للكيان الصهيوني وفضحته لوقوفه مع إسرائيل في مناسبات عديدة، فالعالم وقف في أكثر من مناسبة أممية مع القضية الفلسطينية فيما وقفت أميركا وحدها في الصف الإسرائيلي.
 
لقد أثبتت انتفاضة الأقصى أيضا نجاعة خيار المقاومة والجهاد في مواجهة العدوان والاحتلال من أجل الدفاع عن الشعب الذي يتعرض لهذا العدوان. وقربت الموقف بين الفلسطينيين بعد أن باعدت بينهم مرحلة أوسلو، حتى السلطة كانت قريبة في مراحل من الفصائل الإسلامية والوطنية.
 
وإضافة إلى ما سبق يمكن القول إن الانتفاضة أظهرت وقوف الشارع العربي والإسلامي الثابت بصورة غير مسبوقة مع القضية الأولى لجماهير الأمتين العربية والإسلامية وهي القضية الفلسطينية.

 
وهل ترى أن ما حققته الانتفاضة كان متوقعا أم دون المتوقع أم فوق المتوقع؟
 
بالتأكيد إنجازات الانتفاضة لم تصل إلى الطموح ولم تصل إلى المستوى الذي يرضى عنه الفلسطينيون جميعا، لكن بلا شك هي تعبير قوي عن رفض الهزيمة واليأس، وتعبير صارخ عن فشل التفاوض وفشل الاتفاقيات التي تتم في ظل اختلال موازين القوى التي تكون في الغالب لصالح الأقوياء والمتنفذين على حساب الضعفاء.
 
صحيح أن الانتفاضة لم تحقق كل ما يتمناه الفلسطينيون، لكنها زلزلت المنطقة كلها والعقل العربي والإسلامي والأصوات التي كانت تتعالى للمطالبة بالتطبيع وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي والتخلي عن نهج المقاومة ومحاولة دمج إسرائيل في المنطقة، هذا كله بلا شك بات غير موجود.
 
 
وهل تعتبرون الحديث الإسرائيلي عن الانسحاب من غزة إنجازا للمقاومة؟

نعم للمقاومة الفلسطينية دور كبير في مثل هذه الخطوة، ولنتخيل شكل المنطقة لو لم تكن انتفاضة الأقصى، فلولا الانتفاضة لغزت إسرائيل معظم الدول العربية والإسلامية وأقامت معها علاقات طبيعية، ولولا الانتفاضة لتسارعت عجلة التطبيع بين الكيان الصهيوني والمحيط العربي والإسلامي. العالم كان يتوهم أن القضية الفلسطينية انتهت تماما وأن الأمور بين الفلسطينيين والإسرائيليين حسمت وانتهت وتم الصلح مع إسرائيل.
 
من الواضح أن هناك دورا كبيرا للمقاومة في خطوة الانسحاب من غزة رغم أن الاحتلال يحاول بهذا الانسحاب تجميل وجهه أمام العالم بعد سلسة المجازر ضد الفلسطينيين. الاحتلال يحاول التخفيف من أعباء الاحتلال في منطقة كثيفة السكان مثل غزة، وليست ذات أهمية مثل الضفة الغربية. بالتالي رأت إسرائيل أنه من الأجدى لها أن تخرج وفي نفس الوقت تحكم قبضتها على القطاع وتحاصره.

 
لكن يرى البعض أن الانتفاضة جلبت الجدار والقتل والدمار وسقوط القادة بين الفلسطينيين، فكيف تردون؟

"
فالشعوب الحية تدفع ثمنا باهظا ولا تقف عند حجم الخسائر العظيمة أمام مقدساتها ووطنها وحريتها
"
هذا غير صحيح، فالجدار جاء كون سياسة إسرائيل تقوم على التوسع والهيمنة، وجاء لأن أميركا تدعمها بقوة، ولأن أوروبا عاجزة، ولأن العرب غير قادرين على استخدام أوراق الضغط المتوفرة لديهم ضد الاحتلال.
 
أما الانتفاضة فقد حققت مكاسب حقيقة، ولا يعقل أن يتوجه اللوم لمن يدافع عن حقه، فلا يلام شعب يقاوم الغزاة، والثمن الطبيعي والمنطقي يدفعه كل من يناضل. وتحقق على مدار التاريخ، وتاريخنا أيضا حافل بالأمثلة، فعندما كانت تنهض الأمة كانت تواجه الإمبراطوريات المستكبرة، وهناك أمثلة في التاريخ المعاصر (فيتنام) التي قتل فيها الملايين من أجل الحياة وهي تقاوم أكبر قوى على وجه الأرض، وهناك أيضا الشعب الجزائري الذي ضحى ونال استقلاله.
 
ومعظم شعوب الأمة العربية والإسلامية خاضت تجارب ناجحة ضد الاحتلال. وشهدت البوسنة أيضا مقاومة ضد الاحتلال وقتل من البوسنيين في يوم واحد 10 آلاف في  سربرنيتشا لكنهم في النهاية نالوا استقلالهم. فالشعوب الحية تدفع ثمنا باهظا ولا تقف عند حجم الخسائر العظيمة أمام مقدساتها ووطنها وحريتها.
 
لماذا لم تشهد الانتفاضة منذ انطلاقها وحدة فلسطينية حقيقية بين الفصائل وبين أجنحتها العسكرية؟
 
ربما هذه إحدى الإشكالات التي نواجهها جميعا، فرغم أن العلاقات عمرها عقود ورغم أن مستوى التنسيق وصل إلى درجة كبيرة في هذه الانتفاضة فإنها لم تصل إلى المستوى المطلوب نتيجة لطبيعة الظروف القائمة على الأرض كما أن السنوات الطويلة خلفت هذا التباين وأوجدت عدة اجتهادات.
 
أما سبب عدم التوصل إلى وحدة فهو حساسية القضايا التي يتم التناقش والتحاور حولها، ونحن نأمل أن تتطور العلاقة بين القوى الفلسطينية في العام الخامس من الانتفاضة لتصل إلى مستوى التحديات والاستحقاقات الكبيرة المقبلة، ويجب أن تبذل الجهود بغض النظر عن سرعة تحقيق النتائج.
 
 
لماذا باعتقادك افتقدت الفصائل الفلسطينية لبرنامج مقاومة موحد ومن الذي أعاق ذلك؟

بالتأكيد الخلافات القديمة تطل برأسها حتى الآن. ربما أنه لا يوجد تفاهم مشترك ولا يوجد صيغة مشتركة، وربما أولويات البرنامج السياسي من أهم الأسباب التي حالت دون التوصل إلى برنامج مشترك. نحن في حركة الجهاد الإسلامي نتعامل بحسن الظن مع الجميع ولدينا النية الصادقة للتفاهم مع الجميع.

 
نجحت المقاومة في تطوير أدواتها القتالية.. هل يمكن أن نشهد أنواعا من الأسلحة الأخرى مستقبلا؟

لا أعرف بالضبط، فأنا لست خبيرا عسكريا، لكن الشعوب التي تتعرض للاحتلال والغزو لا تراهن أولا على التوازن العسكري مع التأكيد على أهميته، كما أن الأمور الأخرى لا تقل أهمية عن الناحية العسكرية وهي روح الإرادة والعزيمة والرؤية الواعية وصياغة برنامج يأخذ بالحسبان المتغيرات ويستنهض الطاقات ويبحث عن مقومات الصمود والنهوض.
 
 
هل مشاركتكم في الانتخابات هي نتاج تفكير متأن سببه انضمام فتح لخيار المقاومة أم نتاج ضغوط خارجية؟

نحن في حركة الجهاد الإسلامي لا نخضع لأي ضغط خارجي ولا يمكن أن نقبل بأن يوجه قرارنا السياسي مع احترامنا لكل أصدقائنا. في مسألة الانتخابات نحن نفرق بين الانتخابات البلدية والانتخابات التشريعية إذ تستند الأخيرة إلى اتفاقيات أوسلو، بينما تعتبر البلدية مختلفة تماما وتتعلق بالحياة المدنية.
 
ألم تؤثر الحملة الدولية على الإرهاب على الحركة وعملها الاجتماعي ومساعدة المواطنين؟

بالتأكيد الحملة المجنونة التي تقودها أميركا تحت شعار "محاربة الإرهاب" لم تؤثر فقط على الحركات في فلسطين بل على الأمة العربية والإسلامية بأسرها، في القاهرة وطهران وباريس وواشنطن وبرلين وغيرها لأنها حرب ظالمة بلا مبرر، وحرب لا تخضع لمنطق أو عقل وبعيدة عن الموضوعية والواقعية، ونتائجها مؤثرة وتضر بعموم العرب والمسلمين.
 
وهناك لا أخلاقية في هذه الحرب ومن الطبيعي أن تتضرر الحركات ليس فقط في فلسطين بل في العالم العربي والإسلامي عموما. فالدعم لمراكز تحفيظ القرآن وحتى أموال كفالة الأيتام تراجع، كما تراجع دعم المشروعات الخيرية ورياض الأطفال والعيادات الصحية وكل المؤسسات الخيرية الآن تتعرض لحملة مجنونة من قبل أميركا.
 
 
كيف يمكن للفلسطينيين الاستمرار في الانتفاضة عاما خامسا بخسائر أقل وإنجازات أكبر؟

القتال مستمر، ومنذ مائة عام والشعب الفلسطيني يحاول بإمكاناته المتواضعة جهوده الذاتية في كثير من الأحيان مع تقديرنا لكل موقف شريف لأي إنسان في العالم، لكن الفلسطينيين يواجهون ظروفا صعبة ومع ذلك لا تجبرهم على الاستسلام.
 
 
لم يرق الموقف العربي خلال سنوات الانتفاضة الأربع الماضية إلى المستوى المطلوب.. ما السبب؟

"
لدينا مرارة كبيرة من الموقف العربي الشقيق
"
بالتأكيد الموقف العربي لم يصل المستوى المطلوب، فهو موقف ضعيف وعاجز، فالعرب والمسلمون لم ينصروا القضية الفلسطينية كما يجب، ولم يقوموا بواجبهم الديني والشرعي القومي والوطني. الفلسطينيون وحدهم يواجهوا القصف الصهيوني وآلته التي تدعمها أميركا. وبعض الدول العربية كانت مترددة أحيانا وتحسب الحساب لردة الفعل الأميركية إزاء أي موقف قد تتخذه تجاه الفلسطينيين رغم المعاناة وما يتعرضون له، لدينا مرارة كبيرة في هذه الانتفاضة من الموقف العربي الشقيق.
 
 
اتهمت إسرائيل حركة الجهاد الإسلامي بأنها بنت علاقات مع إيران.. ما حقيقة ذلك؟
هذا هراء، نحن نحتفظ بعلاقات صداقة مع كثيرين في الوطن العربي والإسلامي ولدينا علاقات أخوة مع كل من يحمل الإسلام ويتبنى القضية الفلسطينية ويجعلها هما له، لكن لم يكن قرارنا على الإطلاق خاضعا لأية جهة أو دولة. لدينا أصدقاء ولم يتم التدخل في الشؤون الداخلية للحركة وتوجيه قرارها على الإطلاق، هذه الإشاعات يراد منها تشويه جهاد الحركة وضرب الانتفاضة التي ساهمت فيه بقوة في المحافظة عليها.
 
 
إلى متى ستستمر الانتفاضة ولصالح من تسير الأمور؟
 
لا أحد يملك إجابة على هذا السؤال، ولا شيء يمنع أن تستمر لسنوات طالما ظلت الأحوال على هذا الظلم والعربدة ولا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل. الشعب حسم خياره ويوجه رسالة مفادها أن نهج التفاوض فشل تماما وأن الشعب لا يريد أن يكون مجموعة من العبيد لإسرائيل أو أميركا. الشعب الفلسطيني يؤكد في كل مناسبة أنه متمسك بدينه وحقه ووطنه وأرضه استعدادا للدفاع عن الحقوق والوطن المقدس. الصراع مستمر طالما ظلت إسرائيل تتصرف بهذه الطريقة، وطالما الاحتلال قائم فالدفاع عن النفس أمر مشروع.

 
هل من إضافة أخيرة؟
 
الكلمة التي نوجهها للأمة العربية والإسلامية هي أنهم يجب أن يدركوا تماما أن ما يقوم به الفلسطينيون ليس دفاعا عن فلسطين وحدها وتصديا للعدوان، بل دفاعا عن كرامة العرب والمسلمين والأمة جميعا. وكما قال الكاتب محمد حسنين هيكل في حلقاته بقناة الجزيرة فإن الدعم الذي يفترض أن يقدمه العرب والمسلمون لا يعني دعما للفلسطينيين وحدهم بل حماية للعرب والمسلمين جميعا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة