المثقفون العرب والربيع العربي   
الثلاثاء 1437/5/1 هـ - الموافق 9/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:18 (مكة المكرمة)، 12:18 (غرينتش)

*سعيد يقطين


أثيرت قضية الثقافة والمثقفين متصلة بوقائع الربيع العربي وأحداثه، وتم تداولها في وسائل الإعلام
، وفي كتابات تدور في فلك مجريات الأحداث تباينت التحليلات والمواقف بين الإدانة والتبرير والتصريح بغياب المثقفين وصمتهم وتجاوزهم من لدن الحراك العربي... وما شابه هذا من الأقاويل التي تعتمد كثيرا على الانطباع والرؤى الذاتية التي تنفعل بالأحداث فتقيمها وفق إرادتها ورغبتها، لا في النظر إليها في ملابساتها وسياقاتها المختلفة.
 
يعني تعدد التفسيرات وتضاربها كون أكثر هذه التحليلات يغلب عليها استبعاد الرؤية النسقية عبر تغييب النظر إلى البنيات في علاقاتها وتطورها في سياق زمني محدد، ومحاولة منا لفتح نقاش حول القضية نعمل على تتبع العمل الثقافي العربي منذ عصر النهضة إلى الربيع العربي من خلال عملية تحقيب تراعي تحول الأسئلة الثقافية العربية، ودور المثقفين العرب في السعي إلى الإجابة عنها باعتماد تحول الوسائط الثقافية وأدواتها.

مع التحول الذي نجم عن الاحتكاك بالغرب في ما يعرف بـ"عصر النهضة" كان السؤال الجوهري الذي تدور في فلكه كل الأسئلة المصاحبة هو: "كيف نتقدم؟"، وكانت دواعي السؤال كامنة في بداية التعرف على الآخر الذي بات متقدما إلى حد أنه أمسى مسيطرا، وكانت ضرورة الجواب تقتضي الخروج مما كان تعرف بـ"عصور الانحطاط".

ظل سؤال النهضة مطروحا لأن الإجابات عنه لم تتحقق على أرضية الواقع، وجاءت حقبة الاستقلال السياسي فكان طرح السؤال التالي يتجاوب مع متطلبات المرحلة الجديدة "كيف نبني الدولة الوطنية؟" (سؤال الاستقلال).

بنيت الدول العربية على خلفية تبعات الاستعمار وتقسيماته وتدخلاته، فحافظت أنظمة على وجودها كما خطط لها الاستعمار أو وفق الاتفاقيات الرسمية، وتشكلت أنظمة أخرى بعد زمن على إثر الانقلابات العسكرية.

المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري (ناشطون)

صيرورة تاريخية
وعمل كل نظام -باستقلال عن الآخر- في تكوين الدولة التي أرسى دعائمها بغض النظر عن الرغبات والمطامح العربية الشعبية التي كانت تعارض التقسيمات أو التباعد بين الأقطار العربية، بقصد بنائها على خلفية تنهض على قاعدة مستلزمات التقدم.

لكن الدولة عندما تأسست وصارت واقعا جاء الربيع العربي ليطرح سؤالا آخر يستجيب لإكراهات الواقع الذي فرضته الدولة ومارسته من خلال سياساتها المختلفة، فكان السؤال هو: "كيف نحارب فساد الدولة؟".

من سؤال النهضة لسؤال الربيع العربي نجد أنفسنا أمام صيرورة تاريخية طبعت التاريخ السياسي العربي الحديث بصفة عامة رغم الاختلافات الظاهرة بصدد كل تجربة عربية على حدة.

لكن السؤال الثقافي ظل واحدا، والهواجس الثقافية ظلت مشتركة بين مختلف المثقفين العرب، فالأسئلة التي طرحها محمد عبده سنجد لها أصداء مع علال الفاسي، وما فكر فيه طيب التيزيني كان هاجسا لدى محمد عابد الجابري، وما طرحه عبد الله العروي عن المثقفين العرب سنجد له تجليات عند ياسين الحافظ.

وقس على ذلك في الشعر والرواية والمسرحية والدراسة الأدبية، فرغم الخصوصيات القُطرية على المستوى السياسي سنجد المسألة الثقافية يفكر فيها أي مثقف عربي في تساوق مع ما تشهده الساحة العربية، وحتى لو انطلق من أسئلة خاصة بالقطر الذي يعيش فيه فإنه يظل يفكر فيها من منظور أشمل وأعم.

هذه المسألة قلما التفتنا إليها، لأنها صارت جزءا من التجربة الثقافية العربية، لكن مقارنتها بما شهدته السياسات القطرية العربية تبين لنا بجلاء التفاوت الكبير بين الواقع السياسي العربي والواقع الثقافي العربي.

إن مشاركة المثقفين العرب في صوغ التصورات الثقافية والفكرية والإبداعية المشتركة كانت تتأسس على خلفية واحدة هي التي كانت وراء صياغة المتخيل العربي العام في تمثلاته وطموحاته، وهي نفسها التي أدت إلى الربيع العربي.

المفكر السوري طيب التيزيني (الجزيرة)

يبدو لنا هذا الدور الثقافي بجلاء في كون النص الثقافي العربي الحديث بات مشتركا بين كل العرب مهما كانت مواقفهم من السلطة أو التاريخ، هذا الدور هو الذي جعل العربي حيثما كان يحس بما يجري في الواقع العربي بالمرارة نفسها فكان الاشتراك في الأحاسيس والتفاعل مع كبريات القضايا، فقد تفاعل الشارع العربي مع القضية الفلسطينية، وكان ضد الحرب على العراق، وها هو يعبر عن الوعي نفسه وهو يتابع ما يجري في بعض الأقطار العربية من دمار.

وعندما هبت عاصفة الربيع العربي من تونس تجاوب معها الشارع العربي بسرعة، وليس لذلك من تفسير -في رأيي- سوى كون التمثلات الثقافية -التي تبلورت منذ سؤال النهضة والتي لعب المثقفون باختلاف تخصصاتهم دورا في إشاعتها من خلال ارتباطهم بالواقع العربي وتعبيرهم عنه- لا تزال تفعل مفاعيلها في الوجدان والفكر العربيين.

عوائق كثيرة
إن الفعل الثقافي كان حاضرا وراء الأحداث، وكل من ينكر ذلك -بناء على أي تحليل لا يرتبط  بالصيرورة أو يرتهن إلى رؤية ما للتغيير كما طرأ في تجارب أخرى- لا يمكنه إلا أن يتعسف في تقييم دور الثقافة والمثقفين في ما يجري على أرضية الواقع العربي.

لعب ثلاثة فاعلين أدوارهم في هذا المسار بكيفية ملموسة: ارتبط الشاعر بالحقبة الأولى، وجاء الروائي ليحتل المرحلة الثانية، خاصة بعد الهزيمة، وحل المدون في المرحلة الأخيرة، وليست المدونات سوى صورة للنشيد الحماسي وللتشخيص الواقعي فأعطت الاستفادة من الوسائط الجديدة الربيع العربي موقعا في الصيرورة، فكان شكل انخراطه في المستوى الأول، بينما ظل المحتوى الثقافي المتصل بالحقبتين في الخلفية.

إن هذا التفسير -الذي نقدم- لا يعني أن الواقع الثقافي العربي في قمة نضجه التاريخي المطلوب، هناك عوائق كثيرة تحول دون تطور العمل الثقافي العربي واضطلاع المثقفين بأدوارهم الطبيعية والطليعية، لن أتحدث عن القمع أو عن هيمنة السياسي على الثقافي ورغبته في إخضاع المثقف لإرادته وتوجيهه لخدمة أغراضه، فهذا مما لا يختلف فيه اثنان، لكني أود التوقف عند بعض عوائق العمل الثقافي، متصلا بالمثقفين أنفسهم لاستكمال بقية الصورة.

المفكر المغربي عبد الله العروي (الصحافة الفرنسية)

كانت الأسئلة الثلاثة وأجوبتها تصب جميعا في مسار واحد هو التحول الاجتماعي، لكنها جميعا حكمها هاجس أساس هو التحول السياسي وكأن لسان الحال يقول: لا يمكن أن يتغير المجتمع بدون تغيير الدولة، ورغم كون المثقفين الإصلاحيين أولوا عناية كبرى للتعليم، والثوريين اهتموا بالثقافة، وشباب الربيع بالتواصل الاجتماعي فإنهم جميعا كانوا أسارى الرؤية السياسية للتحول.

فلم يكن التعليم سوى أداة لخلق الوعي لدى الجمهور للانخراط في التصور الجديد للتقدم، مع سؤال النهضة والثقافة لإشاعة تصور جديد وحديث، مع سؤال الدولة ووسائط الاتصال الجماهيرية للخروج إلى الشارع، والتظاهر، مع سؤال الفساد، لكن البعد الاجتماعي للتحول لم يكن مطروحا، بل إنه كان يحتل مرتبة دنيا، ولذلك كان العمل الثقافي أسير العمل السياسي في الصيرورة كلها.

تغييب البعد الاجتماعي للتحول، وتعويل الثقافي على السياسي جعلا المثقفين يمارسون السجال الفكري لا الحوار المعرفي، ولذلك ظل الرأي العام الثقافي نهبا للصراعات السياسية والأيديولوجية فكان الإلغاء والإقصاء.

لقد أقصى الليبيراليون والعلمانيون واليسار الإسلاميين، وهؤلاء يعملون على إقصاء كل تركات الماضي، وحتى داخل الخنادق التي احتلها كل طرف كان الإقصاء والإلغاء فلم يفتح الحوار النقدي المسؤول حول المشاريع الثقافية المختلفة التي تأسست منذ عصر النهضة إلى الآن، فمن يحاور الآن الآخر؟ أو يسعى للانفتاح على المختلف عنه، أو المخالف له؟

عندما نرقى إلى هذا الوعي الحواري يمكن للربيع العربي أن يستعيد حيويته ويختط مسيرة مختلفة، وآن للمثقفين أن يضطلعوا بمهام جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة -عربيا وعالميا- ويفتحوا النقاش ويتجاوزوا السجال وإلا سنظل ندور في فلك الدائرة المنغلقة.
____________
ناقد وأكاديمي مغربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة