الصراع على مصراتة   
الجمعة 1432/5/19 هـ - الموافق 22/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:05 (مكة المكرمة)، 11:05 (غرينتش)
مصراتة تتعرض لقصف متواصل من قوات القذافي (رويترز)

تشهد مصراتة وضعا إنسانيا صعبا مع استمرار حصارها وقصفها من الكتائب الأمنية الموالية للعقيد معمر القذافي التي تحرص على استعادة المدينة لعدة أسباب تتوزع بين الدلالات السياسية الرمزية والقيمة الإستراتجية الهامة على الأرض.
 
فتبعا للتطورات الميدانية للصراع الدائر حاليا بين قوات ثوار اتئلاف 17 فبراير والقوات الموالية للقذافي، تعتبر مدينة مصراتة أكبر معاقل الثوار في الغرب الليبي حيث يصمد المقاتلون المناوئون للقذافي في مواقعهم ضد هجمات الكتائب الأمنية منذ أكثر من شهرين للحفاظ على سيطرتهم على ميناء سدرة.
 
ويعتبر هذا الميناء نافذة الاتصال مع العالم الخارجي سواء من باب تلقي المساعدات الإنسانية أو العسكرية فضلا عن قيمته الميدانية لاحقا إذا قرر الغرب التدخل بريا في ليبيا للإطاحة بالعقيد القذافي.
 
الفرصة الأخيرة
ويشير تقرير تحليلي لمعهد ستراتفور للمعلومات الاستخباراتية الأميركي إلى أن قادة الثورة الليبية يدركون انطلاقا من معقلهم في بنغازي في الشرق أهمية مصراتة باعتبارها آخر فرصة لإقناع المجتمع الدولي بحاجة الثوار الماسة للمساعدة الخارجية والتي تفوق بقيمتها وفعاليتها الضربات الجوية التي يقوم بها حاليا حلف شمال الأطلسي (ناتو).
 
كما يشدد الثوار الليبيون على الأوضاع المأساوية التي تعيشها المدينة لإقناع الأوروبيين وحثهم على توسيع نطاق مساهمتهم للإسراع بالإطاحة بالنظام الحاكم الذي يسعى هو الآخر من جانبه لاستعادة المدينة إلى سيطرته.
 
ويعدد التقرير الأميركي عددا من الأسباب الهامة التي تجعل من مدينة مصراتة ساحة لصراع مرير بين الثوار وقوات القذافي منها سببان رئيسيان يلخصان أسباب المعركة التي يصفها بعض المراقبين بأنها بلغت مرحلة "كسر العظم" وهما القيمة الرمزية والقيمة الإستراتيجية.
 
صور حصلت الجزيرة عليها تظهر معركة   بين الثوار وكتائب القذافي للسيطرة على مكتب البريد في  مصراتة
سراييفو ليبيا
تمثل مدينة مصراتة قيمة رمزية كونها تظهر للعالم الخارجي صورة تشابه في دلالاتها الميدانية والإنسانية مدينة سراييفو البوسنية التي صمدت أربع سنوات أمام حصار القوات الصربية في الحرب الأهلية التي تلت تفكك الاتحاد اليوغسلافي السابق في التسعينيات من القرن الماضي.
 
ويقول تقرير ستراتفور إن مصراتة في وضعها الراهن تمثل بنغازي في منتصف مارس/آذار الماضي عندما كانت تمر بنفس الظروف وعلى شفا حفرة من السقوط بيد القذافي لولا بدء العمليات الجوية تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 1973 التي باتت تعرف باسم "عملية فجر الأوديسا".
 
يضاف إلى ذلك أن استمرار التمرد في مصراتة يعطي دليلا على أن الثورة الليبية ليست مقتصرة على الشرق الليبي بل امتدت إلى مناطق الجبل الغربي على مسافة قريبة من طرابلس لتهدد القذافي في معقله الرئيسي، وعلى أن الصراع الدائر لا يحمل أهدافا انفصالية تقوم على أسس مناطقية أو قبلية.
 
وشدد التقرير على أهمية الصراع الدائر على مصراتة باعتبار الأخيرة مدينة كبيرة يسكنها قرابة نصف مليون نسمة وتقع على مسافة قريبة من أوروبا وبالتالي فإن بقاءها بيد الثوار يعطيهم دافعا معنويا كبيرا كما يبقي المسألة الليبية حاضرة وبقوة في العقل الأوروبي، وهذا بدوره يمهد للسبب الثاني وهو القيمة الإستراتيجية للمدينة.
 
القيمة الإستراتيجية
بفضل موقعها على طول خليج سدرة في الغرب الليبي، تمثل مصراتة من الناحية العسكرية التكتيكية منصة محتملة لأي هجوم بري على المناطق التي لا تزال بيد القذافي، وبالتالي فهي –أي مدينة مصراتة- تشكل تهديدا خطيرا للنظام الحاكم كونها ستوفر الدعم اللوجستي الميداني لأي عملية تهدف للإطاحة به.
 
ويوضح تقرير ستراتفور هذه النقطة بالقول إن مصراتة -إذا قرر الغربيون التدخل في ليبيا بريا- ستمثل منصة إنزال بحري للقوات القادمة بسبب قربها الجغرافي من طرابلس وما يجعل هذا الاحتمال واردا إلى حد ما أن القدرات القتالية للثوار -يقول معهد ستراتفور- هي أقل من أن تستطيع انتزاع القذافي من تحصيناته في باب العزيزية.
 
ويشير التقرير إلى أن الحديث الدائر حاليا في بعض الدول الغربية بخصوص إقامة ممر بحري آمن لوصل مصراتة مع بنغازي سيكون له تاثير كبير ميدانيا لو قيض لهذا الممر أن يكون الخط الذي ستسلكه القوات الأجنبية لبلوغ البر الليبي ولهذا السبب تحديدا تستميت كتائب القذافي في محاولاتها لاستعادة السيطرة على المدينة.
 
ويخلص التقرير الأميركي إلى القول إن الزمن حاليا يقف مع قوات القذافي بخصوص الوضع الميداني القائم في مصراتة طالما استطاعت قواته الاستمرار بعملياتها القتالية ضد المدينة باعتبار أن النظام لا يزال غير مهدد في طرابلس حتى الآن ما لم يتبدل الموقف الأوروبي نحو القيام بعملية برية وهو احتمال لا يزال بعيد المنال لحساسية الثوار تجاه هذا المطلب ورغبتهم بعدم تحويل بلدهم إلى عراق آخر.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة