اختتام غير تقليدي لملتقى تحديات بناء الدولة العراقية بالدوحة   
الثلاثاء 1428/2/9 هـ - الموافق 27/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 3:52 (مكة المكرمة)، 0:52 (غرينتش)
ملتقى العراق يختتم جلساته بوثيقة فكرية (الجزيرة نت)
 
محمد عبد العاطي

مفاجأة غير متوقعة تلك التي ختم بها المشاركون في المؤتمر الذي نظمه مركز الجزيرة للدراسات وحمل عنوان "ملتقى العراق: رهانات الوحدة وتحديات بناء الدولة"، حيث توقع الجميع أن يكون البيان الختامي عبارة عن مجموعة من التوصيات التقليدية التي درجت عليها الندوات والمؤتمرات الفكرية المشابهة، لكن ما حدث كان شيئا مغايرا.
 
المشاركون في الملتقى توافقوا على إصدار وثيقة فكرية مثيرة لكثير من التأمل هدفوا من ورائها للتأكيد على الحقائق والثوابت التاريخية الجامعة، مبررين ذلك بأن هذه الثوابت تتعرض حاليا للاهتزاز، وهو ما ينعكس على سيناريوهات الحل المطروحة للمشكلة العراقية وملامحها الرئيسية.
 

"
المفكرون العراقيون:

لم يحدث مطلقا أن تجلى التشيع أو التسنن في كيانات إثنية أو قبلية حصرية بل ظلا دائما خيارين إسلاميين داخل المجموعات الإثنية والقبلية بل والأسرة الواحدة
"

وقال المشاركون في الوثيقة إن المطلوب من المفكرين العراقيين الذين يمثلون العقل الجمعي العراقي البعيد عن التعصب المذهبي والعرقي أن يرسخوا في الذاكرة العراقية الراهنة مفاهيم وثوابت مستخلصة من حقائق التاريخ التي تحظى بتوافق علمي وتواتر قبولها عبر القرون الماضية.
 
وإن هذه المشتركات الفكرية - حسب ما تقول الوثيقة- تمثل قواعد مشتركة تبني عليها كل التيارات السياسية تصوراتها لحل المشكلة العراقية بعيدا عن التشوهات الفكرية أو الشطط والجموح العقلي الذي يدغدغ به بعض السياسيين وزعماء الطوائف عواطف العامة ويستغلون جهلهم للحصول على مكاسب آنية ضيقة. كما أشارت الوثيقة إلى أن "النظام العراقي الحالي المولود من رحم الاحتلال غريب عن العراق وتاريخه وتراثه ولن يكون قادرا على إعادة العافية للعراق".
 
إزاء هذه الأسباب رأى الباحثون العراقيون المشاركون في مؤتمر الجزيرة أن تكون وثيقتهم الختامية تأكيدا على الحقائق المستخلصة من التاريخ السياسي للعراق، التي من أبرزها أن العراق عرف كمركز حضاري مميز لقرون طويلة خلت قبل الفتح الإسلامي، وأنه برز وطنا ومجالا جغرافيا محدد السمات منذ مطلع الفتح الإسلامي، أما التقسيمات الإدارية التي شهدها عبر تاريخه وتغيرها المستمر فإنها لم تنل من وحدته وأنه ظل يشار إليه دوما على أنه "البلاد العراقية".
 
التشيع والتسنن
وعن التشيع والتسنن قال المفكرون العراقيون إنهما ولدا في العراق على السواء، ولم يحدث مطلقا أن تجلى التشيع أو التسنن في كيانات إثنية أو قبلية حصرية بل ظلا دائما خيارين إسلاميين داخل المجموعات الإثنية والقبلية بل والأسرة الواحدة.
 
وفيما يتعلق بتعرض التشيع للاضطهاد أكدوا أن هذا ليس صحيحا، واستدلوا على ذلك بقولهم إن الخلفاء العباسيين الأوائل لم يكونوا سنة بالمعنى المعروف للتسنن وإنه حتى بعد الصعود السني الكبير في القرن الثالث الهجري لم يعدم التاريخ العباسي بروز خلفاء عباسيين متشيعين من المأمون إلى الناصر وإن أغلب وزراء الدولة العباسية في القرن الأخير من تاريخها من الشيعة وإن السلطة البوهية سلطة شيعية كما أن الدولة الحمدانية في شمالي العراق وسوريا كانت شيعية كذلك.
 
أما حقيقة الاضطهاد -يضيف الباحثون العراقيون- فإنها وقعت من الجميع وعانى منها الجميع من تمردات الخوارج وبطش الحجاج مرورا بحكم المنصور المركزي والتعصب البويهي وصولا إلى دموية الحركة والغزوات الصفوية ومقارعة ولاة بغداد العثمانيين لتمردات العشائر شيعة وسنة.
 
العراق غير قابل للانقسام
"
إن دولة أو كتلة في العالم مهما بلغت قوتها ونفوذها لا يجب أن تفترض لنفسها سلطة أخلاقية عليا على شعب آخر تغزوه بلا مبرر وتقوض أنظمته السياسية ونسيجه الاجتماعي وتعيد بناءه كما ترغب أو ترغب مجموعة من المتحالفين معها الطامعين بالسلطة والثروة
"
ونفى المشاركون ما يردده البعض من وجود جنوب شيعي ووسط أو شمال سني، قائلين إن السنة يتواجدون في أغلب المحافظات الجنوبية والشيعة يتواجدون في أغلب الوسط والشمال وإن بغداد بكل تداخلها الطائفي هي صورة أصيلة للعراق.
 
وأضاف المشاركون أن الدولة العراقية الحديثة -بما لها وما عليها- بنيت بيد أبنائها جميعا سنة وشيعة وعربا وغير عرب.
 
وشددوا على أنه -فيما عدا الخصوصية الكردية- فإن أنماط الحكم والوثائق الدستورية التي ولدت من رحم الاحتلال بما في ذلك نظام المحاصصة ومشروع الفدرالية ليست محل إجمال العراقيين ولن تؤدي بالعراق إلا إلى الانحدار نحو الكارثة. ولذلك قالوا إن العراق غير قابل للانقسام وكل محاولات إعادة بنائه على أساس من هذا التصور يدفع البلاد إلى مزيد من التناحر ليس بين الطوائف والأعراق وحسب ولكن بل داخل كل طائفة ومجموعة إثنية.


 
عراق ما بعد الاحتلال
وعن العراق في ظل الاحتلال قال المشاركون إن دولة أو كتلة في العالم مهما بلغت قوتها ونفوذها لا يجب أن تفترض لنفسها سلطة أخلاقية عليا على شعب آخر تغزوه بلا مبرر وتقوض أنظمته السياسية ونسيجه الاجتماعي وتعيد بناءه كما ترغب أو ترغب مجموعة من المتحالفين معها الطامعين بالسلطة والثروة.
 
وعن حق الشعب العراقي في مقاومة الاحتلال قال المشاركون إن هذا الحق تكفله القوانين والشرائع الدولية وإنه على المحتل أن يتوقف عن ابتزاز العراقيين باحتمالات اندلاع حرب أهلية ويبدأ الخروج من البلاد. وأضافوا أنه بعد أن يخرج المحتل يمكن للعراقيين أن يضعوا أسس دولتهم واجتماعهم السياسي من جديد بما في ذلك شكل نظام الحكم.
 
واختتم المفكرون العراقيون وثيقتهم الفكرية بالقول إنه ليس من مصلحة العراق أن يثير توترات مع جواره كما أنه ليس من مصلحة الجوار أن يعبث بمصير العراق، وإن علاقة العراق بإيران وتركيا يجب أن تنطلق من علاقات الجيرة ومبدأ الوحدة الإسلامية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحذروا من أن تشظي العراق أو فقدانه الأمن والاستقرار ينعكس على كل المنطقة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة