ما مدى نجاعة ملاحقة القذافي جنائيا؟   
الخميس 1432/6/17 هـ - الموافق 19/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:55 (مكة المكرمة)، 14:55 (غرينتش)

مدعي المحكمة الجنائية قال إنه سيلاحق القذافي (وسط) وسيف الإسلام (يسار) والسنوسي  (الجزيرة)

في مقال له حول توجيه المحكمة الجنائية الدولية التهم للقذافي وكبار معاونيه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية, يتساءل جيمس غولدستون الرئيس التنفيذي لمبادرة العدالة للمجتمع والذي عمل كمنسق لتوجيه التهم وكبير مدعي المحكمة الجنائية الدولية، في مقال له منشور في مجلة فورين بوليسي, عما إن كان ذلك أمرا وهميا ربما تكون له آثار عملية، ومضى يقول:

في خضم ازدياد استبعاد الحسم العسكري للنزاع في ليبيا, أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اتهام للقذافي بتهمة المسؤولية عن الجرائم التي اقترفها, حيث أعلن المدعي العام للمحكمة أنه سيسعى لاعتقال القذافي وابنه سيف الإسلام، ومدير مخابراته عبد الله السنوسي، بسبب الهجمات "الواسعة النطاق والممنهجة" ضد المدنيين.

ويبقى علينا أن نرى ما إن كانت المحكمة الجنائية الدولية ستصدر مذكرة اعتقال بحق الثلاثة. إلا أن التخوف الذي يفرض نفسه الآن هو أن تكون النتيجة الوحيدة لذلك الضغط هي دفع القذافي إلى رفض التفاوض بشأن رحيله.

البعض يجادل بأن الالتزام الأعمى بالقانون سيؤدي إلى إسقاط خيار العصا والجزرة من أجندة المفاوضين، في وقت يعرض فيه القادة الليبيون وقفا لإطلاق النار، فلماذا المخاطرة بإطالة عهد الإرهاب في سبيل مثاليات قد لا تؤدي إلى نتائج ملموسة؟

ويرد الكاتب قائلا: إنه سؤال مشروع ومألوف، فإننا نقوم بتنفيذ القانون ونختار الانحياز للمثاليات في مدننا وبلداتنا كل يوم. لنأخذ الخاطفين على سبيل المثال: إن احتمال الاعتقال قد يجعل فكرة التوقف عن الجريمة أمرا صعبا بالنسبة للبعض منهم، وقد يطيل أمد أسر ضحاياهم ويؤجج العنف, ولكن الشرطة لا تسمح لأولئك المجرمين بأن ينجوا بفعلتهم, وهي بذلك تقامر بالمخاطرة على المدى القريب من أجل ضمان تأثير العقوبة الرادعة للآخرين على المدى البعيد.

هل الساحة الدولية مختلفة؟ لقد أثبتت التجارب خلال العقدين الماضيين أنه رغم أن تطبيق العدالة على المدى القريب ربما يدفع ببعض الحكام المستبدين إلى التشبث بالحكم -مثل روبرت موغابي في زمبابوي- فإن توجيه الاتهام لكبار الزعماء بارتكاب جرائم حرب, كثيرا ما يسرع في وضع حد للصراع.

ففي عام 1995 حيث كانت عمليات التطهير العرقي على قدم وساق لمدة ثلاث سنوات في البوسنة, وتسببت في عشرات الآلاف من القتلى وانتشار الاغتصاب وعمليات تهجير واسعة النطاق بحق المدنيين, حينها أيدت الأمم المتحدة توجيه المحكمة الجنائية الدولية الاتهام إلى اثنين من المتواطئين الرئيسيين, الزعيم الصربي البوسني رادوفان كاراديتش, وقائد قواته العسكرية الجنرال راتكو ملاديتش, عشية محادثات دايتون.

اعترض البعض بشدة حينها، ولكن خطر توجيه الاتهام لم يحل دون توصل المتفاوضين إلى اتفاق لوضع حد للحرب, وفي الواقع فإن توجيه التهم ربما ساعد المسؤولين الأميركيين في جعل البوسنيين والكروات والصرب يتوصلون إلى أرضية مشتركة.

استمر الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش في منصبه بعد دايتون, واستمر في استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية. وفي عام 1998, اشتد النزاع في كوسوفو وسط تقارير عن ارتكاب الجيش الصربي والقوات شبه العسكرية لمذابح وفظائع ضد المدنيين الألبان الذين يشكلون السواد الأعظم من شعب كوسوفو.

وشن الناتو سلسلة من الغارات الجوية على يوغسلافيا لإجبار ميلوسوفيتش على وقف العمليات العسكرية, وكان توجيه المحكمة الجنائية الدولية الاتهام لميلوسوفيتش في شهر مايو/أيار 1999, قد أثار القلق من أن يؤدي التصلب في المواقف إلى الحيلولة دون التوصل إلى صفقة, ولكن الحرب انتهت بعد ذلك بأسبوعين حينما وافق ميلوسوفيتش على بنود خطة سلام برعاية أميركية, وخسر منصبه في انتخابات 2000 وتم تسليمه إلى معتقل الأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2001.

أما في أفريقيا, فقد برزت المخاوف من تأثير العمليات القضائية على مفاوضات السلام الجارية, وقد استشاط المسؤولون الغانيون غضبا في يونيو/حزيران 2003 حينما وجهت المحكمة الخاصة بسيراليون اتهاما للرئيس الليبيري تشارلز تايلور في لحظة حرجة حينما كان يشارك في المحادثات في أكرا من أجل وضع حد للحرب الأهلية في ليبريا.

ورغم أن غانا رفضت اعتقال تايلور, فإن لائحة الاتهام جعلت من المستحيل عليه الاستمرار في منصبه من الناحية السياسية، وهرب بعد ذلك بشهرين إلى نيجيريا التي منحته ضمانا باللجوء السياسي نظير وعد بعدم التدخل في الشؤون السياسية الليبيرية.

يقول الكاتب إن محاكمة ميلوسوفيتش ساهمت في وضع حد للحرب في البوسنة (رويترز)
في عام 2006 تعالت جوقة من الأصوات في غرب أفريقيا مطالبة باعتقاله, وأجبر تايلور على الهرب من مخبئه في نيجيريا وتم تسليمه بعد ذلك إلى لاهاي من أجل محاكمته, وأصبحت ليبيريا اليوم تعيش في سلام.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005, أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة اعتقال بحق كبار المسؤولين في جيش الرب للمقاومة الأوغندي الذي اتهم منذ أمد بعيد بارتكاب أساليب وحشية خلال عشرين عاما من الصراع مع الحكومة الأوغندية.

وكان العديد من سكان الأرياف في شمال غرب أوغندا يتلهفون لرؤية الحرب تضع أوزارها، ولكنهم كانوا يشعرون بالقلق من أن تخلق أعمال المحكمة عقبات أمام السلام.

ولكن بعد ستة أسابيع فقط, أعلن جيش الرب للمقاومة رغبته العلنية في عقد محادثات مع الحكومة الأوغندية, بالرغم من أن تلك المحادثات لم تكتمل, وبقي زعيم جيش الرب جوزيف كوني حرّا طليقا.

إلا أنه من المعترف به على نطاق واسع بأن عمل المحكمة الجنائية الدولية, ساعد في عزل جيش الرب وحرمه بشكل دائم من التمتع بقوة قتالية, وفي الحقيقة -كما قال السفير الأميركي في أوغندا في عام 2006- "إن المحكمة الجنائية الدولية لا تشكل عائقا أما المحادثات, وهي السبب وراء محادثات السلام الحالية".

في منتصف 2008, أعرب مسؤولون أميركيون وغيرهم عن القلق من أن يؤدي طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتوجيه الاتهام للرئيس السوداني عمر حسن البشير بارتكاب جرائم في دارفور, إلى إعادة إشعال الحرب في جنوب السودان.

وأعرب العديد من الدبلوماسيين والمحللين وموظفي الإغاثة -كما قالت نيويورك تايمز في تلك الأيام- عن القلق من قيام الحكومة السودانية -ردا على تحرك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية- بسد الباب أمام الجهود الدبلوماسية لتحقيق سلام دائم, وبعد ثلاث سنوات من ذلك قبل البشير بانفصال الجنوب، حتى إنه أعلن صراحة دعمه الكامل للدولة الجديدة, رغم تحديه لمذكرات الاعتقال الصادرة بحقه.

خلاصة القول -كما أوضحت لنا الأمثلة السابقة- هي أن العدالة كثيرا ما تستحق المطالبة بتحقيقها, ليس من أجلها بذاتها, ولكن لأن من شأنها المساعدة في حل الصراعات عن طريق تزايد الضغوط الدولية, ونزع الشرعية عن زعماء ارتكبوا جرائم ضد المدنيين، فضلا عن أن العقوبات القانونية يمكن أن تقلل من النفوذ والمقدرة السياسية لهؤلاء.

وكما هي الحال في ليبيا, فإن ذلك يساعد الأتباع على هجر السفينة, ويمكن أن يؤدي مثل هذا التفكير إلى دعم كل من أميركا والصين وروسيا لمشروع قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، يطالب بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا، حتى وإن لم يصادق أي من هذه الدول الثلاث على ميثاق المحكمة ووضعها.

على المدى القصير, يمكن أن تعقد العدالة المساعي الدبلوماسية, وبذلك فإنه يجب تعديل توقيت –إن لم تكن صيغة– المحاسبة, ولكن الروايات المختلقة من أن العدالة الدولية أمر وهمي وغير عملي ومؤذية, هي جزء من إطار أوسع لمقاومة الحركة من أجل المساءلة التي برزت بعد انتهاء الحرب الباردة.

صحيح أن المحكمة الجنائية الدولية ليست المكان المناسب للحكم بالحقائق وفرض العقوبات, وهناك إدراك متزايد بأن المحاكم القومية -الأقرب للضحايا والشهود والأكثر قبولا- هي الأفضل حينما تتاح لها الموارد والقدرات والدعم السياسي.

ولكن طالما أن المحاكم الوطنية أو القومية لا ترغب أو غير قادرة على محاكمة رؤساء الدول وغيرهم بتهمة ارتكاب جرائم قاسية, فإن العدالة الدولية سواء عن طريق المحكمة الجنائية الدولية, أو محاكم تابعة للأمم المتحدة تضم خليطا من جنسيات مختلفة, ستبقى عناصر حيوية لإطار عمل المحاسبة على المستوى العالمي.

وبغض النظر عن مثالب المحكمة الجنائية الدولية, فإنها تبقى وسيلة قيمة للتعامل مع النزاعات المسلحة, وما علينا سوى التخيل كيف سيكون حال العالم لو لم تكن هناك وسيلة لمحاسبة الدكتاتوريين وعدم الخشية من عواقب ارتكاب عمليات القتل على نطاق واسع.

صحيح أن الخشية من عمل من قبل المحكمة الجنائية الدولية لم تحل بين قوات القذافي وبين استخدام القنابل العنقودية أو الألغام الأرضية ضد سكان مصراتة المدنيين, كما أن استمرار الدعم الأميركي لمحاكمة القذافي من شأنه تعزيز مصداقية المجتمع الدولي وردع مجرم حرب آخر يهدد السلام في المستقبل.


وعلى النقيض فإن الدعوة للتحلي بـ"المرونة" في التعامل مع القذافي سيوفر سببا "للكلاب المجنونة" في المستقبل للاعتقاد بأنها يمكن أن تفلت من عقاب جرائم القتل, وهذا لا يخدم مصالح أميركا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة