في غزة.. عندما يكون الماء أغلى من الدماء   
الخميس 1435/9/21 هـ - الموافق 17/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:02 (مكة المكرمة)، 13:02 (غرينتش)

أحمد فياض-مخيم البريج

لم تمهل طائرات الاحتلال مازن أصلان موظف الطوارئ في بلدية مخيم البريج للاجئين والمسؤول عن تزويد المخيم بالماء فرصة كتابة موعد انتهاء مهمته قبل أن تباغت سيارته بصاروخ كان كفيلا بتحويله هو ورفيقه إلى أشلاء على مرأى زوجته وأطفاله.

وكان أصلان فشل في الإفلات من بكاء وإلحاح بناته ورجائهن له بعدم الخروج للعمل، لكنه عاد لتلبية استغاثات أهالي المخيم المتكررة، وخرج مبكرا لتزويدهم بالماء، ووقع ما كان يخشاه أفراد عائلته، حيث سقط صريعا داخل مركبته.

ولم تكن المرة الأولى التي يدأب فيها أبو خالد -كما يطيب لسكان المخيم مناداته- على الخروج في ظل العدوان للقيام بواجبه، لكنه كان أشد حرصا خلال هذه الحملة لإدراكه بأنها أشد وطأة مقارنة بسابقاتها، فعمد إلى اتباع كافة سبل السلامة التي تشير إلى أن المركبة التي يستقلها بما تحمله على سقفها من علم أبيض كبير وضوء أصفر متحرك، هي سيارة خدمات مدنية.

ومنذ زراعة أبو خالد للكلى قبل سبع سنوات يعمل الرجل ليل نهار مستغلا كل ساعة عمل إضافية في البلدية من أجل زيادة راتبه لتسديد ديون للبنوك والأصدقاء كان قد اقترضها لإتمام تكاليف العلاج وزراعة الكلى.

زوجة الشهيد: الكثير من العلامات كان توحي أن زوجها كان يودع الدنيا (الجزيرة)

يودع الدينا
وتقول زوجة أبو خالد إن الكثير من العلامات كانت توحي أن زوجها سيودع الدنيا، فقبل يومين من استشهاده جلس مع نفسه وأخذ يحسب ما تناوله من حبات علاج خلال سبع سنوات، ليكتشف أنه تناول 15 ألفا وستمائة حبة.

وأضافت أن زوجها أصر قبل يوم من العدوان على اصطحاب ابنته المتزوجة إلى المنزل وسهر مع أفراد العائلة على غير عادته، إذ إنه تحت ضغط العمل كان بالكاد يصل للمنزل مع موعد إفطار رمضان ومن ثم يعود لمتابعة عمله.

وتتساءل الزوجة عن معينها بعد استشهاد أبو خالد الذي كان المعيل الوحيد لأسرته المكونة من خمسة أفراد، بينهم ابناه المتزوجان وأطفالهما.

الابنة عطاف أصلان تروي الساعات الأخيرة  قبل استشهاد والدها فتقول "تلقى والدي في منتصف الليل اتصالا هاتفيا من أجل التحرك لإمداد المخيم بالماء فأمسكنا به أنا وأخوتي وأجبرناه ببكائنا ورجائنا على عدم الخروج فاستجاب لنا، ولكنه عاد وخرج للعمل قبل السحور مستغلا لحظات نومنا".

أقارب عائلة أصلان يواسون ذوي الشهيد (الجزيرة)

أفضل من غيرنا
وفي غمرة حزن عائلة أصلان على معيلها بدا أفرادها مسلمين بقدر الله، وحسبهم أن أبو خالد مضى شهيدا، وأنهم أفضل حالا من عائلات أبيدت بأكملها، وتعبر عن ذلك الزوجة التي لم تغادر الأدعية والتسبيح لسانها بقولها "كلما يدفعنا الحزن للبكاء على أبو خالد نتذكر أنه شهيد فنصبر أنفسنا، وندعو له".

وذكرت أن ما هون عليها وعلى أبنائه هو تسارع نسوة ورجال المخيم إلى قبره ورشه بالماء وزرع الورد من حوله، تعبيرا عن حبهم وتقديرهم لأبو خالد الذي بذل حياته في خدمة أبناء المخيم، وأشارت إلى أن "ما تعرضت له عائلة البطش وعائلة بكر وغيرها من مجازر جعلتنا نشعر بأن ما أصابنا من ابتلاء أفضل مما لحق بغيرنا".

ومع ذلك تسرد أم خالد أصعب لحظات حياتها وهي ترى زوجها يحترق أمام ناظرها ومعها حفيدها وهي ما زالت تتحدث معه على الهاتف في انتظار أن توصل له قرار تكليفه بالعمل في ظل العدوان، وتابعت أنها رأت لحم أبو خالد ورفيقه يتطاير في الهواء.

ما ألم بعائلة أبو خالد هو الألم ذاته الذي أصاب ثلاث عوائل أخرى لعاملين في مجال تفعيل شبكات الماء واستهدفوا في مناطق شمال وجنوب قطاع غزة، وهو ما دفع  سلطة مصلحة مياه الساحل إلى تعليق العمل بعد استهداف العاملين والآبار ومحطات الصرف الصحي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة