دعوة لتحالف دولي ضد الكراهية   
الاثنين 1422/6/29 هـ - الموافق 17/9/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


الدوحة - الجزيرة نت

دعا الكاتب الإسلامي فهمي هويدي في مقاله بصحيفة الشرق الوسط الصادرة اليوم في لندن إلى تشكيل تحالف دولي ضد الكراهية التي تبثها وسائل الإعلام العالمية وبتحريض إسرائيلي ضد الإسلام والمسلمين متخذة من الأحداث الأميركية ذريعة لمحاكمة أمة بأسرها ووصمها بأفظع النعوت.

ويقول الكاتب في مقدمة مقاله الذي جاء بعنوان "دعوة لتحالف دولي ضد الكراهية": أدعو إلى إقامة تحالف دولي ضد الكراهية. ذلك أنه ليس معقولا أن يشتبه في ضلوع بعض المسلمين في الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن، فتلقى قنبلة على مسجد في أستراليا، وتغلق المدرسة الإسلامية في كالجاري بكندا، ويعتدى بالضرب على فتيات يلبسن الحجاب في لندن، ويحرق مطعم يملكه مسلم في برلين، وتضطر الشرطة لإخلاء مسجد لشبونة، ويضطر بعض المسلمين الأتراك إلى حلق لحاهم حتى يتجنبوا الملاحقة في الشوارع.

لماذا المسلمون؟
ويكشف هويدي عن أن هناك تعمدا لوصف المسلمين بالإرهاب دون غيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى فيقول: ليس معقولا أن تحاكم أمة بأسرها وأتباع دين سماوي عن بكرة أبيهم، لمجرد أن بعض المنتسبين إلى تلك الأمة أو ذلك الدين اتهموا في جريمة ما.


ليس معقولا أن تحاكم أمة بأسرها وأتباع دين سماوي عن بكرة أبيهم لمجرد أن بعض المنتسبين إلى تلك الأمة أو ذلك الدين اتهموا في جريمة ما
وبذات القدر ليس مفهوما أن يكون المسلم وحده من دون كل البشر هو الذي تذكر هويته الدينية وليس القومية إذا ارتكب خطأ ما، فيرتكب الصرب كل ما يخطر على البال وما لا يخطر عليه من مذابح وجرائم ضد الإنسانية ولا يقال إنهم أرثوذكس، وبعد الذي فعله الروس في الشيشان فإننا لم نقرأ مرة واحدة أن جرائمهم ارتكبها أرثوذكس. أيضا كما أن أحدا لم يعرف أن النازيين كانوا بروتستانتاً ولا أن الفاشيين في إيطاليا كانوا كاثوليكاً.

أما الأكثر مدعاة للدهشة فهو أن تشن حملة الكراهية الواسعة عبر مختلف الأبواق في العالم الغربي المتحضر، بينما كل ما توافر حتى الآن هو مجرد شبهات لم يثبت منها شيء بحق أي أحد من المسلمين.

حملة عالمية
ويصل الكاتب من هذه المعطيات إلى أن هناك حملة عالمية ضد الإسلام والمسلمين فيقول: والأمر كذلك فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الإسلام والمسلمين يتعرضون منذ وقعت الواقعة بوجه أخص لحملة عالمية استهدفت إثارة الكراهية ضدهم وتحريض المجتمعات الغربية عليهم وتشويه كل صورة لهم، وهذا الذي حدث في داخل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا هو من ثمار تلك الحملة التي ينبغي أن تواجه بموقف قوي وحازم من جانب كل المنظمات الأهلية الإسلامية والعربية.


إن من يقرأ الصحف الغربية يجد أنها تطفح بالكتابات التي تسب الإسلام والمسلمين وتحرض عليهم بعبارات مسكونة بالبغض والوقاحة، وتتبنى خطابا عنصريا صريحا
ويقدم الكاتب في هذا الإطار عددا من الأدلة والشواهد في الفكر الغربي على دعوة البغض والكراهية فيقول: إن من يقرأ الصحف الغربية يجد أنها تطفح بالكتابات التي تسب الإسلام والمسلمين وتحرض عليهم بعبارات مسكونة بالبغض والوقاحة وتتبنى خطابا عنصريا صريحا، مما يحظره القانون في أي بلد متحضر، ولا أعرف لماذا يسكت المسلمون والعرب على ذلك ويديرون خدهم الأيسر كلما تلقوا الضربات والصفعات على الخد الأيمن.

صدام الحضارات
ويواصل الكاتب تأكيده على تلك الحملة فيقول إن عددا كبيرا من الكتاب والمعلقين الغربيين استعادوا هذه الأيام فكرة "صدام الحضارات" التي أطلقها صامويل هنتنغتون ولسان حالهم يقول صراحة: حانت لحظة المواجهة، وها هو الإسلام يحاول الانقضاض على الحضارة الغربية، وها هم المسلمون يهللون للتدمير الذي شهدته نيويورك ممنين أنفسهم بيوم تنهار فيه الولايات المتحدة ويسقط صرح حضارة الغرب بأسره.

لقد قرر أولئك الكتاب "المتحضرون" أن الذين قاموا بالهجوم هم من المسلمين قبل أي محاكمة أو إدانة، ثم اختزلوا في أولئك الفاعلين المفترضين الإسلام كله بعقيدته وكتابه وأتباعه، ثم اختزلوا موقف الأمة الإسلامية كلها في صورة لفرحة البعض في أحد المخيمات الفلسطينية واعتبروا ذلك دليلا على ابتهاج الأمة وسعادتها بالهجوم الإرهابي دونما إشارة إلى أن أولئك الذين ظهروا في الصورة هم من ضحايا الإرهاب الإسرائيلي في الأساس.

سياسة استئصالية
وبعد هذا التشويه المتعمد للموقف الإسلامي يقول هويدي: إن الأصوات تنافست في الدعوة إلى استئصال "الشر الإسلامي" من جذوره والتخلص من تلك الكتلة الشريرة المساه بالعالم الإسلامي الذي وصفوه بالخطر "الأخضر" واعتبروه وريثا للشيوعية التي وصفوها في السابق بالخطر الأحمر.


تتنافس الأصوات في الدعوة إلى استئصال "الشر الإسلامي" من جذوره والتخلص من تلك الكتلة الشريرة المساه بالعالم الإسلامي والموصوف بالخطر "الأخضر"
ويقدم الكاتب شواهد فكرية على ذلك فيقول: كتبت مارغريت وينت في الصحيفة الكندية "جلوب آند ميل" (عدد 9/12): هؤلاء الذين فعلوها (تقصد الهجوم على نيويورك وواشنطن) هم "أبناء الصحراء النائية الذين يحملون معهم ثقافة القبيلة القديمة التي تمتزج بالدم والثأر، والمسكونون بالمعتقدات الجاحدة والكراهية اللدودة، الذين لا يقيمون وزنا للحياة البشرية، ويرتكبون جرائمهم باسم الله، ويبدون استعدادا مذهلا للتضحية بأنفسهم وهم يقتلون الآخرين". على هذا النحو مضت الكاتبة التي يصب كلامها في اتجاه واحد وهو أن المسلمين جميعا حالة ميؤوس منها وجنس فاسد يجب الخلاص منه، والعالم بغيرهم لا بد أن يكون أفضل كثيرا منه في وجودهم.

ويضيف هويدي مثالا آخر فيقول: في عدد "تلغراف" الصادر في 9/15 كتبت باربارا إميل (وهي يهودية وزوجة كونراد بلاك صاحب الجريدة البريطانية) تقول: إنه "لسوء الحظ أن المسلمين المتطرفين يملكون أسلحة عصرية في أيديهم، والدول الإسلامية إما أنها تدعمهم أو أنها تؤويهم، وهؤلاء لهم هدف واحد هو تدمير الحضارة الغربية. إزاء ذلك فليس أمامنا بديل، فيجب أن نصنفهم في مربع الأعداء، وأن يطردوا من الأمم المتحدة، فإذا تقاعست عن ذلك فينبغي أن تلجأ الولايات المتحدة إلى طرد الأمم المتحدة ذاتها، وفي الوقت ذاته ينبغي أن يُمنع الجهاد تماما، ويجب أن نطالب المجالس الإسلامية بإدانته، وهذا التعظيم والإكبار له (الجهاد) في الكتب الدراسية وفي المساجد ينبغي أن توضع له نهاية، وألا يسمح به على الإطلاق".

حلف مضاد للكراهية

دعوتي الأساسية تنصب على ضرورة تجاوز موقف الدفاع، وتسليط الضوء على مختلف مظاهر السلوك الظالم وغير المتحضر الذي يعبر عنه أولئك الذين حاكموا المسلمين وأدانوهم عبر وسائل الأعلام
وإزاء هذه المواقف التحريضة فإنه يجب مقاومة ذلك من جانب المنظمات الأهلية المدافعة عن حقوق الإنسان ومن جانب المنظمات العربية والإسلامية، إذ الملاحظ أن كلاما من هذا القبيل يكال لنا كل يوم، بينما يتخذ المسلمون موقفا دفاعيا يحاول إثبات براءة الإسلام من الإرهاب وحرصه على الحياة والكرامة الإنسانية، ودعوته إلى السلام والتعايش بين الشعوب والقبائل فضلا عن الأديان والمعتقدات.

ويضيف الكاتب قائلا: على الرغم من أهمية ذلك الإيضاح، فأزعم أنه يمثل موقفا دفاعيا ينبغي تجاوزه، لأن الذين يشنون حملات التشويش والتحريض والاتهام لكل العرب والمسلمين وإخراجهم من زمرة البشر الأسوياء هؤلاء هم المخطئون الذين يتجنون وينتهكون أبسط مبادئ حقوق الإنسان ويجب أن يقال لهم ذلك صراحة وعلنا.

ويختتم هويدي مقاله بالقول: لست هنا بصدد التفصيل فيما ينبغي عمله، لأن دعوتي الأساسية تنصب على ضرورة تجاوز موقف الدفاع، وتسليط الضوء على مختلف مظاهر السلوك الظالم وغير المتحضر الذي يعبر عنه أولئك الذين حاكموا المسلمين وأدانوهم عبر وسائل الإعلام وأثاروا مشاعر عوام الناس وحرضوهم بعد أن شحنوهم بمشاعر البغض والكراهية.

ويؤكد بأن هذه المهمة مسؤولية تاريخية يجب أن تنهض بها منظماتنا الأهلية التي كان لها دورها الإيجابي المشهود في إدانة عنصرية إسرائيل في مؤتمر "ديربان" الأخير، وأن تتحرك وتأخذ بزمام المبادرة مستثمرة علاقاتها بمختلف المنظمات الأهلية الأخرى في العالم، وداعية إلى تحالف آخر ضد الكراهية مواز لذلك الذي تدعو إليه واشنطن ضد الإرهاب علما بأن الكراهية تعد من أشكال الإرهاب وتجلياته اليائسة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة