الأفكار وسطوتها   
الجمعة 1435/4/29 هـ - الموافق 28/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 3:32 (مكة المكرمة)، 0:32 (غرينتش)
أمير تاج السر
 
بعد سنوات طويلة من الوجود المكثف في حقل الكتابة، سواء كتابتي الشخصية أو قراءتي لأعمال آخرين، أجد نفسي مقتنعا تماما أن الفكرة الأولى التي تخطر على بال الكاتب مهما كانت درجة بساطتها هي أهم الأعمدة التي يرتكز عليها النص من أجل أن ينبني جيدا ويحلق عاليا، أو لا يبرح مكانه على الإطلاق.

إن كانت الفكرة هزيلة ولا تقوى على حمل نص حتى يكتمل، وما دامت الأفكار ليست حكرا على أحد، ويمكن أن تخطر على بال كاتب قديم ومحترف، وأيضا على بال كاتب صغير مبتدئ، فالجميع يتساوون في هذا الشأن، فقط يأتي الفرق في حرفية استخدام الأدوات الأخرى المساعدة في عملية البناء، مثل اللغة وبناء الشخصيات ورسم المكان الذي تدور فيه أحداث النص.

في الماضي، كان العثور على الأفكار أمرا صعبا للغاية، وكان على الكاتب من أجل أن يبدأ كتابته أن يجلس جلسات التأمل الكلاسيكية لساعات طويلة، محاولا استنباط فكرة أو الركض خلف سراب فكرة، أو الامساك بفكرة خطرت له بالفعل وتأبى أن تصبح كاملة في ذهنه.

القارئ لروايات بديعة أضحت كلاسيكية الآن، لن يعرف كيف استنبطت أفكارها، هل كانت من جراء عصر الذهن في جلسات التأمل الطويلة تلك، أم من الأفكار المحلقة التي ذكرتها

وهكذا قد تمتد تلك الجلسات إلى أيام وأشهر ولا يحدث شيء على الإطلاق، وربما يقلع الكاتب عن كتابة روايته التي يبحث عن فكرتها، وربما يبدأ كتابة رواية جديدة يكرر فيها نفس أفكار سابقة خبرها جيدا وكتبها من قبل.

على أن ذلك ليس بالضرورة قاعدة تنطبق على كل الكتاب، فهناك أيضا أفكار محلقة في سماء الإبداع، ويمكن أن تحط فجأة على أي ذهن مبدع وتمنحه نصا جيدا ومختلفا، وسيكتب بطريقة يقدرها القراء بعد ذلك.

والقارئ لروايات بديعة أضحت كلاسيكية الآن، لن يعرف كيف استنبطت أفكارها؟ هل كانت من جراء عصر الذهن في جلسات التأمل الطويلة تلك أم من الأفكار المحلقة التي ذكرتها. ومهما كتب عن روايات تولستوي، وقصص كافكا وتشيكوف، وما كتبه توفيق الحكيم ويحيى حقي مثلا في الكتابة العربية، لن يعرف أحد بالتحديد الظروف الحقيقية لولادة تلك الأعمال.

الآن يقينا أصبح العثور على الأفكار أكثر سهولة، فالطرق الضاجة بالبشر واللهجات والمنتجات الاستهلاكية والثقافات المختلفة تمنح الذي يسير فيها أفكارا في غاية الجمال تؤدي لنصوص جيدة. السفر والمطارات وجلسات الانتظار في الأماكن العامة أو الجلوس في المقاهي والاستماع لما يدور بين جلساء آخرين يمنح أفكارا أيضا.

والطفرة العظمى في العصر الحديث، وهي تقنية الاتصال عن طريق الإنترنت والهاتف الجوال، وإمكان أن يصبح العالم متوفرا كله في ثوان معدودة، لا تمنح الأفكار فقط، لكنها تجعل أفكارا كثيرة وقوية في معظمها، تتصارع في ذهن الكاتب، من أجل أن تفوز إحداها وتصنع نصه القادم.

الآن أتحدث عن قوة الفكرة وضعفها، عن استحواذ الفكرة الشيقة على ذهن القارئ، وجعله مروجا كبيرا للنص الذي خرج منها، وعن تلك التي لن تبقى في ذهن القارئ لنصها، سوى في فترة القراءة، ثم تندثر بعد ذلك. ومثال على ذلك حين كتب الإيطالي الراحل أنطونيو تابوكي، روايته الشهيرة "بيريرا يدعي"، تلك التي تدور أحداثها في البرتغال، وشخصيتها الرئيسية صحفي ثقافي في جريدة محلية صغيرة، هو بيريرا.

الفكرة كانت شيقة فعلا، حين يوظف بيريرا شخصا مغمورا قرأ له مرة مقالا عن الموت، في كتابة مقالات عن مبدعين أحياء ترثيهم وتمجد مسيراتهم الإبداعية، وذلك لتكون جاهزة للنشر الفوري عند وفاتهم، وهو أمر سيحدث يوما بكل تأكيد، وكثيرا ما نرى في حياتنا المعاصرة، أن الصحافة الثقافية ترتبك بشدة، حين يموت فجأة رمز من رموز الكتابة، وتسعى في وقت ضيق جدا للملمة كل شيء عنه، وإصدار ملف خاص في اليوم التالي مباشرة.

إذن كانت الفكرة في رأيي الشخصي مبتكرة فعلا، وبغض النظر عما إذا كانت الشخصية الموظفة، قد أدت دورها جيدا في النص أم لا، فإن الفكرة في حد ذاتها صنعت نصا ممتازا وشهيرا ومتداولا بين القراء بلغات كثيرة.

هناك أفكار محلقة في سماء الإبداع، ويمكن أن تحط فجأة على أي ذهن مبدع وتمنحه نصا جيدا ومختلفا، وسيكتب بطريقة يقدرها القراء بعد ذلك

بالطبع كانت الأدوات الأخرى مثل اللغة والبناء موجودة، لكن أعود وأصر على أن الفكرة كانت هي الأهم. بالمقارنة، نقرأ لتبوكي نفسه، رواية أخرى مثل"رأس دامانشو المقطوع" وتقوم على فكرة العثور على رأس مقطوع لأحد الأشخاص، بواسطة غجري، وتدور أحداثها في البرتغال أيضا، ثم يأتي صحفي يسعى للكشف عن سر ذلك الرأس، بطريقة مألوفة للقارئ.

الفكرة هنا عادية ومكررة، وحكيت عشرات المرات بطرق مختلفة، لذلك في رأيي الشخصي، لم تصنع نصا مختلفا وعظيما، وإنما نصا عاديا للتسلية فقط. وهذا يبين أن تابوكي هو نفسه، بنفس أدواته ولغته وطريقة بنائه للنصوص، لكن كما جعل "بيريرا يدعي" أعطم وأقوى، هو فكرتها المبتكرة.

من مصادر الأفكار المهمة -في رأيي- القنوات الفضائية المنتشرة بكثافة، والتي يصعب ملاحقة أو حتى معرفة ما تقدمه، لكن يقينا لو جلس أي كاتب لمدة يوم فقط وركض خلف عدة قنوات، لعثر على عشرات الأفكار الجيدة والمعاصرة، التي يمكن أن تمنحه نصا ممتازا، وشخصيا أجدني ممتنا لعدة قنوات استلفت منها شخصيات وأفكارا وأساطير أيضا، قمت بكتابتها مشاهد في عدد من رواياتي.

من ذلك قصة الفتاة التي ألقاها والدها في بئر، وعاشت أياما طويلة، إلى أن أنقذت، وغير ذلك من المشاهد. أيضا مواقع التواصل الاجتماعي، أجدها غنية بتلك المفارقات والطرائف التي إما أن تصنع النصوص، أو تمنح النصوص بهارات جيدة، وثيابا براقة لزركشتها، وأزعم أنني عثرت على مثل تلك الصفحات التي أسميها صفحات كنوز، استوحيت وما زلت أستوحي منها أفكارا دون حصر.

إذن وقبل أن نبني نصا نراهن على نجاحه علينا أن نقيم فكرته جيدا ونزنها بموازين شتى، خاصة الموازين المعاصرة، فعلى جودة الفكرة تجود الكتابة بمعطياتها الجاذبة لقراءة نتمناها لنصوصنا.
_______________
روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة