ليشهدوا منافع لهم في المدينة المنورة   
الخميس 1429/12/7 هـ - الموافق 4/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:34 (مكة المكرمة)، 21:34 (غرينتش)

ممرات شوارع المدينة المنورة تمتلئ بتجار من أجناس متعددة (الجزيرة نت) 

محمد المختار-المدينة المنورة

لا يتردد الحاج الهندي المسن في تقديم بضاعته المتواضعة قرب مدخل المسجد النبوي الشريف والمؤدي لباب السلام على المصطفى صلى الله عليه وسلم.

يكفيك أن تطمئنه بشراء مسبحة وعطر، كي تنطلق من فيه مفردات عربية مكسرة عليك أن تجتهد في أن تفسرها، لكنها على كل حال تفهمك أنه يمارس هذا النشاط التجاري ليمول نفقات بقية رحلته إلى الديار المقدسة.

وبلكنة هندية تكاد تنطق الهاء همزة يحاول أن يدافع عن موقفه بشاهد من القرآن الكريم، فيذكرك بقول الله تعالى في سورة الحج (ليشهدوا منافع لهم).

خوف وحذر
في الطرقات الخلفية القريبة من الحرم باعة متنوعون يعرضون بضاعتهم في محلات مرخص لها ترخيصا مؤقتا، تجد فيها أصنافا متنوعة من التمور والسجاجيد والسبح وغيرها من حاجات الحجيج وكل ما قد يصلح لأن يحملوه هدايا من الأراضي المقدسة.

"
في موسم الحج قد تجد من أنواع التجارة أيضا ما يذكرك بأولى عهود التبادل التجاري في التاريخ يوم كان الناس يتعاملون بالمقايضة
"
لكن مئات آخرين –منهم مواطنون ومقيمون بشكل قانوني- يفترشون الممرات وسط هذه الطرق وكلهم ترقب وخوف وحذر من أن يباغتهم موظفو البلدية ويصادروا بضاعتهم القليلة والمتواضعة، التي هي كل ما يملكون ويطمعون من ورائها في ربح يساعدهم على لأواء الزمن.

تبدي حاجة أفريقية خوفها من الكاميرا مخافة أن تكون لحاملها علاقة ما بالبلدية، وخشية أن يحجز بضاعتها بدعوى أنها تبيعها بغير ترخيص وأنها تضيق الممرات إلى الحرم وتشوه المنظر العام للمنطقة.

شأن هذه الأفريقية شأن الهندي، عليك أن تشتري ثقتها أولا بنفحها دريهمات قليلة مقابل بضاعة أولى لك أن تتخلى عنها بعد شرائها، ثم تبدأ تشرح لك أنها تتاجر لتنفق على أولادها الصغار وزوجها المريض المقيمين جميعا في المملكة.

وهي تحرص على أن تؤكد أنها لا تجد غير هذا العمل الموسمي، رغم أنها تركب معه مغامرة قد تفقدها ما تملك لو ضبطها موظف البلدية، وقد تزج بها في السجن أياما إن لم يتسامح معها.

تجارة بغير نقود
وفي موسم الحج قد تجد من أنواع التجارة أيضا ما يذكرك بأولى عهود التبادل التجاري في التاريخ يوم كان الناس يتعاملون بالمقايضة، فالحاجة هدية القادمة بدورها من أفريقيا تمارس تجارة لا تتلقى مقابلها نقودا.

تقول هدية، وهي تجر وراءها كيسا ضخما وتحاول أن تلتحق بإحدى السيارات المكشوفة لتوصيلها إلى مقر بعثة حجاج بلدها، إنها توفر لهؤلاء ما يمكن أن يصلح هدايا يحملونها إلى ذويهم، وتأخذ هي منهم بضائع أخرى يحضرونها من بلدهم كي تبيعها في الأراضي المقدسة.

وأنت تسير بشوارع المدينة المنورة، لا حاجة لأن تنتظر كثيرا سيارة تقلك، فكل السيارات تعمل بأجرة، ولو بشكل "غير شرعي" والشرعي هنا مرادف للقانوني في بلد يشيع فيه الحرص على المصطلحات الإسلامية.

الشاب محمد الحربي مواطن سعودي يعمل حارسا ليليا، وخارج أوقات عمله يتحرك بسيارته لينقل الحجيج. وحين تسأله لماذا، يجيب بأنه السعي لتحسين الوضع بالنسبة لشاب مقبل على الزواج يحتاج مداخيل كثيرة ولا يحب الاستدانة.

أما إن سألته عن الدخل الذي يوفره له هذا العمل الإضافي، فيكتفي بالرد "زين" وهي كلمة كافية للتعبير عن الرضا عن عمل "غير شرعي لكن الحكومة تتغاضى عنه على كل حال".

الحج موسم للربح الدنيوي أيضا (الجزيرة نت)
موسم للربح
بجانب الحائط الذي يسور مدفن شهداء غزوة أحد قرب المدينة المنورة، ينتصب مسجد تتناثر حوله أبسطة وبيوتات خشبية متواضعة يعرض فيها أصحابها بضائع يعتاشون هم الآخرون على مداخيلها.

أغلبهم لا يملكون تراخيص، بل إن محلاتهم تحمل بكتابة حمراء عبارة "تجب إزالته في غضون 48 ساعة". لكن من الواضح أنها عمرت أكثر من ذلك، لأن الكتابة الحمراء هي التي أوشكت أن تزول.

يرفض هؤلاء الحديث إلى الصحفيين ولا يفرقون بينهم وبين رجال المباحث الذين تبعثهم البلدية -حسب قول أحدهم- مع أن البلدية هنا لا تحتاج للتخفي وتقوم بين الفينة والأخرى بحملات تترك "ذكريات غير مفرحة" بتعبير المواطن السعودي حمد الجهني.

الحج هنا ليس موسما للطاعات فحسب، ولا موسم الربح الأخروي الذي جاء لأجله الناس من كل فج عميق، بل هو موسم ربح وتجارة تساعد في تغطية نفقات حاج هندي وتكاليف زواج مواطن السعودي واحتياجات عائلة أفريقية مقيمة، وغير أولئك كثير.

وصدق الله العظيم إذ قال "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة