سيدي بوزيد.. مهد الثورة وبؤرة الإحباط   
السبت 2/1/1436 هـ - الموافق 25/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:20 (مكة المكرمة)، 15:20 (غرينتش)

محمد المختار أحمد-سيدي بوزيد

حين أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 في جسده النحيل عند بوابة مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجا على الحرمان من العيش الكريم له ولأمثاله، سرى في الجسد التونسي لهيب ثورة عاتية أطاحت النظام الحاكم، وبسطت الآمال بغد مفعم بالحرية والتنمية، خاصة في ولايات الجنوب وفي القلب منها سيدي بوزيد.

وإذا قدر لك أن تزور مدينة سيدي بوزيد -عاصمة الولاية التي كانت أحداثها مقدمة لثورات الربيع العربي الدامية- وسألت أهلها: ما الذي تغير في المدينة بعد مرور نحو أربعة أعوام من اندلاع ثورة الكرامة والخبز؟ فسيصدمك أن يجيبك الجميع بأن الأوضاع التنموية والإنسانية في منطقتهم تتدهور باطراد، ومشاعر الإحباط تتراكم، وآلام الحرمان تتعمق جراء بؤس الحصيلة التنموية والمعيشية للثورة.

عند مدخل المدينة ركبنا سيارة أجرة وتحدثنا مع سائقها اخميّس قروي عن واقع المدينة بعد الثورة، فقال إن "الحال في سيدي بوزيد بقي على ما كان عليه فهمشت بعد الثورة وساءت أمورها بارتفاع الأسعار، ولم تنل حظها من الإنجازات التنموية وفرص التوظيف، لا في عهد حكومة الترويكا ولا حكومة التوافق".

وأضاف قروي أن سيدي بوزيد نالت الكثير من الحرية بفضل تضحيات أبنائها في الثورة، لكنها لم تنل المطلب الثاني لثورتها وهو العيش الكريم. لكنها حتى الآن تجدد أملها في أن يتدارك الرئيس والبرلمان القادمان الأمر، فيعطوا لبلدهم ما يستحقه من رعاية وعناية.

منذر شعيبي يرى أن سيدي بوزيد مازالت تعاني التهميش منذ ستين سنة (الجزيرة نت)

تفقير وتهميش
ويرى الناشط السياسي والحقوقي منذر شعيبي أن سيدي بوزيد ما زالت تعاني "التفقير والتهميش منذ ستين سنة"، ولا بد من إحداث قطيعة مع الخطة التنموية القائمة حتى الآن والتي تصادر أراضي الفلاحين التي ورثوها عن أجدادهم وتضعها تحت احتكار الدولة وسيطرتها، وإبدالها بنمط تنموي يراعي واقع الجهات الأشد احتياجا.

وأوضح شعيبي أن الولاية بأكملها تحتاج إلى خطة تنموية ثورية، تزودها عاجلا بطرق وسكك حديدية، وبنية تحتية حديثة في مجال التعليم وخاصة التعليم العالي، الذي لا يوجد إلا في ولايات الساحل، وفي قطاع الصحة الذي تدهور بصورة مزرية لا تصدق.

أما الأمين العام لحركة 17 ديسمبر للكرامة والحرية محمد فرحات البوعزيزي فأكد أن سيدي بوزيد كانت ولا تزال منسية بل ازدادت تهميشا وكأني بها مقبرة، ويكفي أن نعرف أن مستشفى المدينة ليست فيه معدات حديثة ولا طب اختصاصي.

ووصف المشاريع الإنتاجية التي حصلت عليها المدينة بعد الثورة بأنها "بسيطة وذر للرماد في العيون للالتفاف على مطالبنا الإنسانية، فنحن ثرنا من أجل العدالة الاجتماعية والتنمية ومكافحة البطالة ورفع المستوى المعيشي والصحي للسكان، وكل هذه المطالب لم يتحقق منها شيء حتى الآن".

عمار خبابي أكد أن أسباب تعثر التطور في الولاية يعود إلى الحكومة والسكان (الجزيرة نت)

مبررات رسمية
حملنا شكاوى أهل المدينة إلى والي ولاية سيدي بوزيد عمار خبابي فلم ينكر أن الحركة التنموية في سيدي بوزيد "تشهد تعثرا وأحيانا تعطلا"، لكنه أكد أسباب تعود للطرفين الحكومة والسكان، وعلى كل منهما أن يتحمل مسؤوليته في هذا الأمر.

وسرد خبابي عدة أسباب لتعطل التنمية في المنطقة، منها البيروقراطية التي تفرض حصول بعض المشاريع على تراخيص رسمية من جهات إدارية مركزية، وقد يصل عدد هذه التراخيص إلى "14 ترخيصا"، وربما يستغرق استصدارها سنوات، وكذلك غياب تمثيليات لبعض الإدارات المركزية ذات الاختصاص في إنشاء المناطق الصناعية، إضافة إلى سرعة تغيير ولاة المنطقة الذين بلغ عددهم بعد الثورة عشرة ولاة.

وأشار إلى أن إقامة المشاريع تتطلب إنشاء مناطق صناعية وهو ما لا يمكن إلا بعد تحويل الوضعية العقارية لأراضي المنطقة لتتحول من فلاحية إلى صناعية، وإجراءات ذلك طويلة ومعقدة تجعل المستثمرين ينفرون من الاستثمار في المنطقة خشية تكبدهم خسائر بسبب تعطل معداتهم انتظارا لحل المشكلة.

وشدد خبابي على أن سلوك المواطنين من أبرز العوائق أمام تنمية المنطقة، بسبب اعتراضهم أحيانا على تنفيذ بعض المشاريع مشترطين للسماح بذلك تزويدهم بالمياه الصالحة للشرب أو الكهرباء، وأحيانا تشغيل أفراد من العائلات المعترضة، وهو ما يؤدي إلى عزوف المقاولين عن التكفل بإقامة هذه المشاريع، إضافة إلى ما يشاهدونه ويسمعونه في الإعلام من مبالغات عن انتشار المجموعات الإرهابية في المنطقة.

وما بين تصريحات سكان سيدي بوزيد الشاكية وردود السلطات الرسمية الشارحة، تعيش المنطقة أوضاعا صعبة يخشى معها من تحول الحلم برغد ما بعد الثورة إلى سراب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة